الرئيسية » بحوث ومقالات » الملل والنحل » [فيديو] تصويب خطأ الشيخ الددو في قوله أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنّة، وقوله أن أهل الحديث حنابلة

[فيديو] تصويب خطأ الشيخ الددو في قوله أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنّة، وقوله أن أهل الحديث حنابلة

[فيديو] تصويب خطأ الشيخ الددو في قوله أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنّة، وقوله أن أهل الحديث حنابلة

 

قال فقيه الأندلس أبو محمد بن حزم في كتابه “الفصل”:

وَمن حماقات الأشعرية قَوْلهم أَن للنَّاس أحوالاً ومعاني لَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة وَلَا مَعْلُومَة وَلَا مَجْهُولَة وَلَا مخلوقة وَلَا غير ومخلوقة وَلَا أزلية وَلَا محدثة وَلَا حق وَلَا بَاطِل وَهِي علم الْعَالم بِأَن لَهُ علما وَوُجُود الْوَاجِد لوجدوه كلما يجد هَذَا أَمر سمعناه مِنْهُم نصا ورأيناه فِي كتبهمْ فَهَل فِي الرعونة أَكثر من هَذَا وَهل يُمكن الموسوس والمبرسم أَن يَأْتِي بِأَكْثَرَ من هَذَا وَلَقَد حاورني سُلَيْمَان بن خلف الْبَاجِيّ كَبِيرهمْ هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مجْلِس حافل فَقلت لَهُ هَذَا كَمَا تَقول الْعَامَّة عندنَا عِنَب لَا من كرم وَلَا من دالية وَمن هوسهم قَوْلهم أَن الْحق غير الْحَقِيقَة وَلَا نَدْرِي فِي أَي لُغَة وجدوا هَذَا أم فِي أَي شرع وَارِد أم فِي أَي طبيعة ظفروا بِهِ فَقَالُوا أَن الْكفْر حَقِيقَة وَلَيْسَ بِحَق وَقُلْنَا كلا بل وجوده عَن حَقِيقَة وَمَعْنَاهُ بَاطِل لَا حق وَلَا حَقِيقَة وَقَالُوا كلهم إِن الله حَامِل لصفاته فِي ذَاته هَذَا نَص قَول أبي جَعْفَر السمناتي المكفوف قَاضِي الْموصل وَهُوَ أكبر أَصْحَاب الباقلاني ومقدم الأشعرية فِي وقتنا هَذَا وَقَالَ هَذَا السمناني أَيْضا إِن من سمي الله تَعَالَى جسماً من أجل أَنه حَامِل لصفاته فِي ذَاته فقد أصَاب الْمَعْنى وَأَخْطَأ فِي التَّسْمِيَة فَقَط وَقَالَ هَذَا السمناني أَن الله تَعَالَى مشارك للْعَالم فِي الْوُجُود وَفِي قِيَامه بِنَفسِهِ كقيام الْجَوَاهِر والأجسام وَفِي أَنه ذُو صِفَات قَائِمَة بِهِ مَوْجُودَة بِذَاتِهِ كَمَا ثَبت ذَلِك فِيمَا هُوَ مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات من جملَة أجسام الْعَالم وجواهر هَذَا نَص كَلَام السمناني حرفا حرفا
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) مَا أعلم أحد من غلاة المشبهة أقدم على أَن يُطلق مَا أطلق هَذَا المبتدع الْجَاهِل الملحد المتهور من أَن الله تَعَالَى مشارك للْعَالم حاشا لله من هَذَا وَقَالَ السمناني عَن شُيُوخه من الأشعرية أَن معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله خلق آدم على صورته إِنَّمَا هُوَ على صفة الرَّحْمَن من الْحَيَاة وَالْعلم والاقتدار وَإِجْمَاع صِفَات الْكَمَال فِيهِ وأسجد لَهُ مَلَائكَته كَمَا أسجدهم لنَفسِهِ وَجعل لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي على ذُريَّته كَمَا كَانَ لله تَعَالَى كل ذَلِك
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص كَلَامه حرفا حرفا وَهَذَا كفر صَرِيح وشرك بواح إِذْ صرح بِأَن آدم على صفة الرَّحْمَن من اجْتِمَاع صِفَات الْكَمَال فيهمَا فَالله تَعَالَى وآدَم عِنْده مثلان مشتبهان فِي أجتمع صِفَات الْكَمَال فيهمَا ثمَّ لم يقنع بِهَذِهِ السوءة حَتَّى صرح بِأَن سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم كسجودهم لله عز وَجل وحاشا لله من هَذَا لِأَن سُجُود الْمَلَائِكَة لله تَعَالَى سُجُود عبَادَة وديانة لخالقهم وسجودهم لآدَم سُجُود سَلام وتحية وتشريف مِنْهُم لآدَم وإكرام لَهُ بذلك كسجود يَعْقُوب لِابْنِهِ يُوسُف عَلَيْهِمَا السَّلَام فَقَط ثمَّ زَاد اللعين كفرا على كفر بنصه أَن الله تَعَالَى جعل لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي على ذُريَّته كَمَا كَانَ لله تَعَالَى ذَلِك وَهَذَا شرك لَا خَفَاء بِهِ كشرك النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَلَا فرق ونسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة وَقَالَ هَذَا السمناني أَن مَذْهَب شُيُوخه أَنهم لَا يَقُولُونَ أَن الْأَمر بالشَّيْء دَال على كَونه مرَادا للْآمِر قَدِيما كَانَ أَو مُحدثا وَلَا يدل النَّهْي على كَونه مَكْرُوها وَهَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا خلاف الْإِسْلَام وَالْإِجْمَاع والمعقول وتصريح بِأَن الله تَعَالَى إِذا أَمر بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحج وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَشَهَادَة الْإِسْلَام فَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على أَنه يُرِيد شَيْئا من ذَلِك وَإِذ نهى عَن الْكفْر وَالزِّنَا وَالْبَغي وَالسَّرِقَة وَقتل النَّفس ظلما فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَنه يكره شَيْئا من ذَلِك وَمَا فِي الْأَقْوَال أنتن من هَذَا القَوْل وَقَالَ السمناني أَنه لَا يَصح القَوْل بِأَن علم الله تَعَالَى مُخَالف للعلوم كلهَا وَلَا أَن قدرته مُخَالفَة للقدر كلهَا لِأَنَّهَا كلهَا دَاخِلَة تَحت قَوْلنَا ووصفنا للقدر والعلوم هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا بَيَان بِأَن دينهم أَن علم الله تَعَالَى وَقدرته من نوع علمنَا وقدرتنا وَإِذ الْأَمر كَذَلِك عِنْده فَعلمنَا وقدرتنا عرضان فِينَا مخلوقان فَوَجَبَ ضَرُورَة أَن علم الله تَعَالَى وَقدرته عرضان فِي الله مخلوقان إِذْ من الْمُمْتَنع وُقُوع مَا لم يزل مَعَ الْمُحدث الْمَخْلُوق تَحت حد وَاحِد وَنَوع وَاحِد وَنَصّ هَذَا السمناني وَمُحَمّد بن الْحسن بن فورك فِي صدر كَلَامه فِي كتاب الْأُصُول أَن الْحُدُود لَا تخْتَلف فِي قديم وَلَا مُحدث قَالُوا ذَلِك فِي كَلَامهم فِي علم الله تَعَالَى فِي تحديدهم لِمَعْنى الْعلم بِصفة يَقع تحتهَا علم الله تَعَالَى وعلوم النَّاس وَهَذَا نَص مِنْهُم على أَن الله تَعَالَى مَحْدُود وَاقع مَعنا تَحت الْحُدُود وَهُوَ علمه وَقدرته وَهُوَ شَرّ من قَول جهم شيخهم فِي الْحَقِيقَة وَأبين من قَول كل مشبه فِي الأَرْض وَنَصّ هَذَا السمناني على أَن الْعَالم والقادر والمريد من الله تَعَالَى وخلقه إِنَّمَا كَانَ مُحْتَاجا إِلَى هَذِه الصِّفَات لكَونه مَوْصُوفا بهَا لَا لجوازها عَلَيْهِ هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُم بِلَا تكلّف وَلَا تَأْوِيل بِأَن الله تَعَالَى عَن كفر هَذَا الأرعن مُحْتَاج إِلَى الصِّفَات وَهَذَا كفر مَا يدْرِي أَن أحدا بلغه وَنَصّ هَذَا السمناني أَيْضا على أَن الله تَعَالَى لما كَانَ حَيا عَالما كَانَ مَوْصُوفا بِالْحَيَاةِ وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة حَتَّى لَا يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك فِي الشَّاهِد وَالْغَائِب هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ على أَن الله تَعَالَى حَالا لم يُخَالِفهُ فِيهَا خلقه بل هُوَ وهم فِيهَا سَوَاء وَنَصّ هَذَا السمناني على أَنه إِذا كَانَت الصِّفَات الْوَاجِبَة لله تَعَالَى فِي كَونه عَالما قَادِرًا لَا يُغني وُجُوبهَا لَهُ عَن مَا هُوَ مصحح لَهَا من الْحَيَاة فِيهِ كَمَا لَا يُوجب غناهُ عَمَّا يُوجب كَونه عَالما قَادِرًا عَن الْقُدْرَة وَالْعلم
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص جلي على أَن الله تَعَالَى غير غَنِي عَن شَيْء هُوَ غَيره لِأَن الصِّفَات عِنْدهم هِيَ غَيره تَعَالَى وَالله تَعَالَى عِنْدهم غير غَنِي عَنْهَا تَعَالَى الله وَإِذا لم يكن غَنِيا فَهُوَ فَقير إِلَيْهَا هَكَذَا قَالَت الْيَهُود أَن الله فَقير تَعَالَى الله عَن هَذَا بل هُوَ الْغَنِيّ جملَة عَمَّا سواهُ وكل من دونه فَقير إِلَيْهِ تَعَالَى وَقَالَ السمناني إِن قَالَ قَائِل لم أنكرتم أَن يكون الله مرِيدا لنَفسِهِ حسب مَا قَالَه النجار والجاحظ قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لما قدمنَا ذكره من أَن الْوَاحِد من الْخلق مرِيدا بِإِرَادَة وَلَا يَخْلُو أَن يكون حَقِيقَة المريد من لَهُ الْإِرَادَة أَو كَونه مرِيدا أَو جود الْإِرَادَة لَهُ وَأي الْأَمريْنِ كَانَ وَجَبت مُسَاوَاة الْغَائِب الشَّاهِد فِي هَذَا الْبَاب
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا نَص جلي على مُسَاوَاة الله تَعَالَى لخلقه عِنْد هَذَا الْجَاهِل وَهَذَا أعظم فِي الْكفْر من قَول كل مجسم لِأَن جَمِيع المجسمين لم يقدم أحد مِنْهُم قطّ على القَوْل بِأَن الله تَعَالَى مسَاوٍ لخلقه قبل هَذِه الْفرْقَة الملعونة ثمَّ الْعجب قطعهم بِأَن الله عز وَجل غايب غير شَاهد وحاشا لله عَن هَذَا بل هُوَ مَعنا وَهُوَ أقرب إِلَيْنَا من حَبل الوريد كَمَا قَالَ عز وَجل أَنه حَاضر فِي الْعُقُول غير غَائِب وَقَالَ الباقلاني مَا وجد فِي الله تَعَالَى من التسميات فَإِنَّهُ يجوز إِطْلَاقهَا عَلَيْهِ وَإِن لم يسم بذلك نَفسه مَا لم يرد شرع يمْنَع من ذَلِك
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا نَص مِنْهُ على أَن هَاهُنَا مَعَاني تُوجد فِي الله تَعَالَى مَعَ الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ إِذْ جَازَ تَسْمِيَته بِمَا لم يسم بِهِ عز وَجل نَفسه تَعَالَى الله عَن هَذَا علوا كَبِيرا وَقَالُوا كلهم إِن الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا كَلَام وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ كَلِمَات كَثِيرَة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) هَذَا كفر مُجَرّد لخلافه الْقُرْآن وَتَكْذيب لله عز وَجل فِي قَوْله {قل لَو كَانَ الْبَحْر مداداً لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا} وَإِذ يَقُول تَعَالَى {وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله} مَعَ أَن قَوْلهم لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد قَول أَحمَق لَا يعقل وَلَا يقوم بِهِ برهَان شَرْعِي وَلَا تشكل فِي هاجس وَلَا يُوجِبهُ عقل إِنَّمَا هُوَ هذيان مَحْض وَيُقَال لَهُم لَا يَخْلُو الْقُرْآن عِنْدهم من أَنه كَلَام الله تَعَالَى أَو لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى فَإِن قَالُوا لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى كفرُوا وَمن قرب وَكفى الله تَعَالَى مؤنتهم وَإِن قَالُوا هُوَ كَلَام الله تَعَالَى فالقرآن مائَة سُورَة وَأَرْبَعَة عشر سُورَة فِيهَا سِتَّة آلَاف آيَة ونيف كل سُورَة مِنْهَا عِنْد أهل الْإِسْلَام غير الْأُخْرَى وكل آيَة غير الْأُخْرَى فَكيف يَقُول هَؤُلَاءِ النوكى أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى إِلَّا كَلَام وَاحِد أما هَذَا من الْكفْر الْبَارِد والقحة السمجة ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَقَالُوا كلهم إِن الْقُرْآن لم ينزل بِهِ قطّ جِبْرِيل على قلب مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِنَّمَا نزل عَلَيْهِ بِشَيْء آخر هُوَ الْعبارَة عَن كَلَام الله وَأَن الْقُرْآن لَيْسَ عندنَا الْبَتَّةَ إِلَّا على هَذَا الْمجَاز وَأَن نرى فِي الْمَصَاحِف ونسمع من الْقُرَّاء ونقرأ فِي الصَّلَاة ونحفظ فِي الصُّدُور لَيْسَ هُوَ الْقُرْآن الْبَتَّةَ وَلَا شَيْء مِنْهُ كَلَام الله الْبَتَّةَ بل شَيْء آخر وَإِن كَلَام الله تَعَالَى لَا يُفَارق ذَات الله عز وَجل
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا من أعظم الْكفْر لِأَن الله تَعَالَى قَالَ {بل هُوَ قُرْآن مجيد فِي لوح مَحْفُوظ} وَقَالَ تَعَالَى {نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك} وَقَالَ تَعَالَى {فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله} وَقَالَ تَعَالَى {بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم} وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ إِنِّي أحب أَن أسمعهُ من غَيْرِي يَعْنِي الْقُرْآن وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعد والى إِجْمَاع عَامَّة الْمُسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعاملهم على القَوْل حفظ فلَان الْقُرْآن وَقَرَأَ فلَان الْقُرْآن وَكتب فلَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَسَمعنَا الْقُرْآن من فلَان وَكَلَام الله تَعَالَى مَا فِي الْمُصحف من أول أم الْقُرْآن إِلَى آخر قل أعوذ بِرَبّ النَّاس وَقَالَ السمناني أَيْضا أَن الباقلاني وشيوخه قَالُوا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أطلق القَوْل بِأَن مَا أنزل الله هُوَ الْقُرْآن وَهُوَ كَلَام الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ على معنى أَنه عبارَة عَن كَلَام الله تَعَالَى وَأَنه يفهم مِنْهُ أمره وَنَهْيه فَقَط
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَيُقَال لَهُم أخبرونا عَن قَوْلكُم أَن الْكتاب هُوَ الْمُصحف وَالْقِرَاءَة المسموعة قي الْمُحَارب كل ذَلِك عبارَة عَن الْقُرْآن مَاذَا تعنون بذلك وَهل هَذَا مِنْكُم إِلَّا تمويه ضَعِيف وَهل كل مَا فِي الْمُصحف إِلَّا عبارَة عَن مُعَاينَة الَّتِي أرادها الله تَعَالَى فِي شرع دينه من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْإِيمَان وَغير ذَلِك وَأَحْبَارهمْ الْأُمَم السالفة وَصفَة الْجنَّة وَالنَّار والبعث وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يخْتَلف من أهل الْإِسْلَام أحد فِي أَن الْمعبر عَنهُ بذلك الْكَلَام لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى أصلا لِأَن ذَات الْجنَّة وَذَات النَّار وحركات الْمُصَلِّي وَعمل الْحَاج وَعمل الصَّائِم وأجسام عَاد وأشخاص ثَمُود لَيْسَ شَيْء من ذَلِك كَلَام الله تَعَالَى وَلَا قُرْآنًا فثيت أَن لَيْسَ هُوَ الْقُرْآن وَلَا هُوَ كَلَام الله إِلَّا الْعبارَة المسموعة فَقَط وَالْكَلَام المقروء والخط الْمَكْتُوب فِي الْمُصحف بِلَا شكّ إِذْ لم يبْق غير ذَلِك أَو الْكفْر وَتَكْذيب الله تَعَالَى وَتَكْذيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَن الْقُرْآن أنزل عَلَيْهِ وأننا نسْمع كَلَام الله فأوهمتم الضُّعَفَاء أَن لذِي هُوَ كَلَام الله وَالْقُرْآن عِنْد جَمِيع أهل الْإِسْلَام لَيْسَ هُوَ هُوَ الْقُرْآن وَلَا هُوَ كَلَام لله ثمَّ أوهمتوهم باستخفافكم أَن حركات المتحركين وَذَات الْجنَّة وَذَات النَّار هِيَ كَلَام الله تَعَالَى وَهِي بِالْقُرْآنِ فَهَل فِي الضلال والسخرية بضعفة الْمُسلمين والهزء بآيَات الله تَعَالَى أَكثر من هَذَا وَلَقَد أَخْبرنِي عَليّ بن حَمْزَة المراوي الصّقليّ الصُّوفِي أَنه بعض الأشعرية يبطح الْمُصحف بِرجلِهِ قَالَ فأكبرت ذَلِك وَقلت لَهُ وَيحك هَكَذَا تصنع بالمصحف وَفِيه كَلَام الله تَعَالَى فَقَالَ لي وَيلك وَبِاللَّهِ مَا فِيهِ إِلَّا السخام والسواد وَأما كَلَام الله بِلَا وَنَحْو هَذَا من القَوْل الَّذِي هَذَا مَعْنَاهُ وَكتب إِلَيّ أَبُو المرحي بن رزوار الْمصْرِيّ أَن بعض ثقاة أهل مصر أخبرهُ من طلاب السّنَن أَن رجلا من الأشعرية قَالَ لَهُ مشافهة على من يَقُول أَن الله قَالَ قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد ألف لعنة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) بل على من يَقُول أَن الله عز وَجل لم يقلها ألف ألف لعنة نترى وعَلى من يُنكر أننا نسْمع كَلَام الله ونقرأ كَلَام الله ونحفظ كَلَام لله ونكتب كَلَام الله ألف ألف لعنة نترى من الله تَعَالَى فَإِن قَول هَذِه الْفرْقَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نِهَايَة الْكفْر بِاللَّه عز وَجل وَمُخَالفَة لِلْقُرْآنِ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمُخَالفَة جَمِيع أهل الْإِسْلَام قبل حُدُوث هَذِه الطَّائِفَة الملعونة
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَقَالَت الأشعرية كلهَا أَن الله لم يزل قَائِلا لكل مَا خلق أَو يخلق فِي المستأنف كن إِلَّا أَن الْأَشْيَاء لم تكن إِلَّا حِين كَونهَا وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم مَكْشُوف لله عز وَجل إِذْ يَقُول {إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون} فَبين الله تَعَالَى أَنه لَا يَقُول للشَّيْء كن إِلَّا إِذا أَرَادَ تكوينه وَأَنه إِذا قَالَ لَهُ كن كَانَ الشَّيْء فِي الْوَقْت بِلَا مهلة لِأَن هَذَا هُوَ مُقْتَضى الْفَاء فِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن فَجمعُوا إِلَى تَكْذِيب الله عز وَجل فِي خبريه جَمِيعًا إِيجَاب أزلية الْعَالم لِأَن الله تَعَالَى إِذا كَانَ لم يزل قَائِلا لما يكون كن فَإِن التكوين لم يزل وَهَذِه دهرية مَحْضَة ثمَّ قَالَ السمناني بعد أسطر لِأَنَّهُ لَو وَجب وجود مَا وجد فِي الْوَقْت الَّذِي وجد فِيهِ لأجل قَول الله تَعَالَى كن لوَجَبَ أَن يُوجد لأجل قَول غَيره لَهُ كن لِأَن صفة الِاقْتِضَاء لَا تخْتَلف فِي ذَلِك بَين الْقَدِيم والمحدث
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا نَص كَلَام هَذَا الْفَاسِق الملحد حرفا حرفا وَهَذَا كفر مَحْض وحماقة لإخفاء بهَا أما الْكفْر فإبطاله أَن وجود الْأَشْيَاء فِي الْأَوْقَات الَّتِي وجدت فِيهَا إِنَّمَا وجدت لأجل قَول الله تَعَالَى لَهَا كن وإيجابه أَن الْأَشْيَاء لم تُوجد فِي أحيان وجودهَا لقَوْل الله تَعَالَى لَهَا كن وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى صرف وَخُرُوج عَن إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام وكل من يُصَلِّي إِلَى الْقبْلَة قبلهم وَمن الْكفْر الصَّرِيح أَيْضا فِي هَذَا الْكَلَام الملعون قَوْله أَن صفة الِاقْتِضَاء فِي ذَلِك لَا تخْتَلف بَين الْقَدِيم والمحدث فسوى بَين الله تَعَالَى وخلقه وَأما الحماقة فَقَوله لَو وجدت الْأَشْيَاء من أجل قَول الله تَعَالَى لَهَا كن لوَجَبَ أَن يُوجد لأجل قَول غَيره لَهَا كن فيا للْمُسلمين هَل سمع فِي الْحمق والرعونة وَقلة الْحيَاء أَكثر من قَول من سوى بَين قَول الله تَعَالَى كن للشَّيْء إِذْ أَرَادَ تكوينه وَبَين قَول غَيره من النَّاس كن وَهَذَا أَخبث من قَول الدهرية ونعوذ بِاللَّه من الضلال فلولا الخذلان مَا انْطلق بِهَذَا النوك لِسَان من لَا يقذف بِالْحِجَارَةِ فِي الشوارع وَمَا شبهت بِهَذَا الْكَلَام إِلَّا كَلَام النذل أبي هَاشم الجبائي لَو لم يجز لنا أَن نسمي الله تَعَالَى باسم حَتَّى يَأْذَن لنا فِي ذَلِك لوَجَبَ أَن لَا يجوز لله أَن يُسَمِّي نَفسه حَتَّى يَأْذَن لَهُ غَيره فِي ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه أَقْوَال لَو قَالَهَا صبيان يسيل مخاطبهم لأيس من فلاحهم وتالله لقد لعب الشَّيْطَان بهم كَمَا شَاءَ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَقَالَت الأشعرية كلهَا أَن الله لَا يقدر على ظلم أحد الْبَتَّةَ وَلَا يقدر على الْكَذِب وَلَا على قَول أَن الْمَسِيح ابْن الله حَتَّى يَقُول قبل ذَلِك وَقَالَت النَّصَارَى وَأَنه لَا يقدر على أَن يَقُول عُزَيْر ابْن الله حَتَّى يَقُول قبل ذَلِك وَقَالَت الْيَهُود وَأَنه لَا يقدر على أَن يتَّخذ ولد أَو أَنه لَا يقدر الْبَتَّةَ على إِظْهَار معْجزَة على يَدي كَذَّاب يَدعِي النُّبُوَّة فَإِن ادّعى الإلهية كَانَ الله تَعَالَى قَادِرًا على إِظْهَار المعجزات على يَدَيْهِ وَأَنه تَعَالَى لَا يقدر على شَيْء من الْمحَال وَلَا على إِحَالَة الْأُمُور عَن حقائقها وَلَا على قلب الْأَجْنَاس عَن ماهيتها وَأَنه تَعَالَى لَا يقدر الْبَتَّةَ على أَن يقسم الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَلَا على أَن يَدْعُو أحدا إِلَى غبر التَّوْحِيد هَذَا نَص كَلَامهم وَحَقِيقَة معتقدهم فجعلوه تَعَالَى عَاجِزا متناهي الْقُوَّة مَحْدُود الْقُدْرَة يقدر مرّة وَلَا يقدر أُخْرَى يقدر على شَيْء وَلَا يقدر على آخر وَهَذِه صفة النَّقْص وهم مَعَ هَذَا يَقُولُونَ أَن السَّاحر يقدر على قلب الْأَعْيَان وعَلى أَن يمسخ إنْسَانا فَيَجْعَلهُ حمارا على الْحَقِيقَة وعَلى الْمَشْي فِي الْهَوَاء وعَلى المَاء فَكَانَ السَّاحر عِنْدهم أقوى من الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وخشوا مبادرة أهل الْإِسْلَام لَهُم بالاصطلام فخنسوا عَن أَن يصرحوا بِأَن الله تَعَالَى لَا يقدر فَقَالُوا لَا يُوصف الله بِالْقُدْرَةِ على شَيْء مِمَّا ذكرنَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا رَاحَة لَهُم فِي هَذَا لأننا نقُول لَهُم وَلم لَا نصفه بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك إِلَّا أَنه يقدر على شَيْء من ذَلِك وَلَا لَهُ قدرَة على كل ذَلِك أم لِأَنَّهُ لَا يقدر على كل ذَلِك وَلَا لَهُ قدرَة على شَيْء من ذَلِك وَلَا بُد من أَحدهمَا بضرورة الْعقل وَهنا ضلت جبلتهم الضعيفة وَلَا بُد لَهُم من الْقطع بِأَنَّهُ لَا يقدر وَبِأَنَّهُ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَإِذ قد صَرَّحُوا بِهَذَا بِالضَّرُورَةِ فَأول الْعقل ومسموع اللُّغَة كِلَاهُمَا يوجبان أَن من لَا يقدر على شَيْء فَهُوَ عَاجز عَنهُ وَأَن من لَا قدرَة لَهُ على شَيْء فصفة الْعَجز والضعف لاحقة بِهِ فَلَا بُد لَهُم ضَرُورَة من إِطْلَاق اسْم الْعَجز على الله تَعَالَى وَوَصفه بِأَنَّهُ عَاجز وَهَذَا حَقِيقَة مَذْهَبهم يَقِينا إِلَّا أَنهم يخَافُونَ الْبَوَار إِن أظهروه وَقَالَ هَذَا الباقلاني لَا فرق بَين النَّبِي وَالسحر الْكذَّاب المتنبي فِيمَا يأتينا بِهِ إِلَّا التحدي فَقَط وَقَول النَّبِي لمن بِحَضْرَتِهِ هَات من يعْمل كعملي وَهَذَا إبِْطَال للنبوة مُجَرّد وَقَالَ الباقلاني وَابْن فورك وأشياعهما من أهل الضَّلَالَة والجهالة لَيْسَ لله تَعَالَى أَسمَاء الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا لَهُ تَعَالَى اسْم وَاحِد فَقَط لَيْسَ لَهُ اسْم غَيره وَأَن قَول الله تَعَالَى {وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ} إِنَّمَا أَرَادَ أَن يَقُول لله التسميات الْحسنى فذروا الَّذين يلحدون فِي تسمياته فَقَالَ لله الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ قَالُوا وَكَذَلِكَ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِد إِنَّمَا أَرَادَ أَن يَقُول تسعا وَتِسْعين تَسْمِيَة فَقَالَ تِسْعَة وَتِسْعين اسْما
قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا فِي الْبُرْهَان على قلَّة الْحيَاء وَفَسَاد الدّين واستسهال الْكَذِب أَكثر من هَذَا وليت شعري من أخْبرهُم عَن الله تَعَالَى وَعَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الأفك ثمَّ لَيْت شعري إِذا زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى أَرَادَ ان يَقُول التسميات الْحسنى فَقَالَ الْأَسْمَاء الْحسنى لأي شَيْء فعل ذَلِك اللكنة أم غَفلَة أم تعمد لإضلال عباده وَلَا سَبِيل وَالله إِلَى رَابِع فَأُعْجِبُوا لعَظيم مَا حل بهؤلاء الْقَوْم من الدمار والتبار وَالْكذب على الله جهاراً وعَلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَا رهبة ونعوذ بِاللَّه من الضلال مَعَ أَن هَذَا قَول مَا سبقهمْ إِلَيْهِ أحد وَقَالُوا كلهم أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب لَيْسَ هُوَ رَسُول الله الْيَوْم لكنه كَانَ رَسُول الله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فكذبوا الْقُرْآن فِي قَول الله عز وَجل {مُحَمَّد رَسُول الله} وكذبوا الآذان وكذبوا الْإِقَامَة الَّتِي افترضها الله تَعَالَى خمس مَرَّات كل يَوْم وَلَيْلَة على كل جمَاعَة من الْمُسلمين وكذبوا دَعْوَة جَمِيع الْمُسلمين الَّتِي الفقوا على دُعَاء الْكفَّار إِلَيْهَا وعَلى أَنه لَا نجاة من النَّار لَا بهَا واكذبوا جَمِيع أعصار الْمُسلمين من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ فِي أطباق جَمِيعهم برهم وفاجرهم على الإعلان بِلَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَوَجَب على قَوْلهم هَذَا الملعون أَنه يكذب المؤذنون والمقيمون ودعاة الْإِسْلَام فِي قَوْلهم مُحَمَّد رَسُول الله وان الْوَاجِب أَن تَقولُوا مُحَمَّد كَانَ رَسُول الله وعَلى هَذِه الْمَسْأَلَة قتل الْأَمِير مَحْمُود بن سبكتكين مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَاحب خرا سان رَحمَه الله ابْن فورك شيخ الأشعرية فَأحْسن الله جَزَاء مَحْمُود على ذَلِك وَلعن ابْن فورك وأشياعه وَأَتْبَاعه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا حملهمْ على الْكفْر الْفَاحِش قَول لَهُم آخر فِي نِهَايَة الضلال والإنسلاخ من الْإِسْلَام وَهِي قَوْلهم أَن الْأَرْوَاح أَعْرَاض تفنى وَلَا تبقى وَقْتَيْنِ وَأَن روح كل وَاحِد منا الْآن هُوَ غير روحه الَّذِي كَانَ لَهُ قبل ذَلِك بطرفة عين وَإِن كل وَاحِد منا يُبدل أَزِيد من ألف ألف روح فِي كل سَاعَة زمانية وَأَن النَّفس إِنَّمَا هُوَ هَذَا الْهَوَاء الْخَارِج بالتنفس حاراً بعد دُخُوله بَارِدًا وَأَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ فني روحه وَبَطل وَأَنه لَيْسَ لمُحَمد وَلَا لأحد من الْأَنْبِيَاء عِنْد الله تَعَالَى روح ثَابِتَة تنعم وَلَا نفس قَائِمَة تكرم وَهَذَا خُرُوج عَن إِجْمَاع الْإِسْلَام فَمَا قَالَ بِهَذَا أحد مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام قبل أبي الْهُذيْل العلاف ثمَّ تلاه هَؤُلَاءِ وَهَذَا خلاف مُجَرّد لِلْقُرْآنِ وَتَكْذيب لله عز وَجل إِذْ يَقُول {اخْرُجُوا أَنفسكُم الْيَوْم تُجْزونَ عَذَاب الْهون} وَإِذ يَقُول عز وَجل {وَلَا تَقولُوا لمن يقتل فِي سَبِيل الله أموات بل أَحيَاء وَلَكِن لَا تشعرون} وَقَالَ عز وَجل {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم إِلَّا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} وَلقَوْله تَعَالَى {الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى} وَخلاف السّنَن الثَّابِتَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المنقولة نقل التَّوَاتُر من رُؤْيَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام لَيْلَة أسرِي بِهِ فِي السَّمَاء وَمَا جرى لَهُ مَعَه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي عدد الصَّلَوَات المفروضات وَأَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء نسمَة تعلق فِي ثمار الْجنَّة وَمَا يلقى الرّوح عِنْد خُرُوجه من الْفِتْنَة والمسائلة وإخباره عَلَيْهِ السَّلَام أَنه رأى عَن يَمِين آدم أَسْوِدَة نسم بنيه من أهل الْجنَّة وَعَن يسَاره أَسْوِدَة نسم بنيه من أهل النَّار وَسَائِر السّنَن المأثورة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ خجلوا من هَذِه الْعَظِيمَة وتبرأ مِنْهُم إِبْلِيس الَّذِي ورطهم فِيهَا فشلوا فَقَالُوا فِي كتبهمْ فَإِن لم يكن هَذَا فَإِن الرّوح تنْتَقل عِنْد خُرُوجهَا من الْجِسْم إِلَى جسم آخر هَكَذَا نَص الباقلاني فِي أحد كتبه وَأَظنهُ الرسَالَة الْمَعْرُوفَة بِالْحرَّةِ وَهَذَا مَذْهَب التناسخ بِلَا كلفة وَقَالَ السمناني فِي كِتَابه أَن الباقلاني وَأَصْحَابه قَالُوا أَن كل مَا جَاءَ فِي الْخَبَر من نقل أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى حواصل طير خضر وَأَن روح الْمَيِّت ترتد إِلَيْهِ فِي قَبره وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من وصف الرّوح بِالْقربِ والبعد وَالْحَرَكَة والانتقال والسكون وَالْعَذَاب فَكل ذَلِك مَحْمُول على أقل جُزْء من أَجزَاء الْمَيِّت والشهيد أَو الْكَافِر وإعادة الْحَيَاة فِي ذَلِك الْجُزْء
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا طَرِيق من الهوس جدا وتطايب بِالدّينِ وَلَقَد أَخْبرنِي ثِقَة من أَصْحَابِي أَنه سمع بعض مقدميهم يَقُول أَن الرّوح إِنَّمَا تبقى فِي عجب الذَّنب لقَوْل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق وَفِيه يركب
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا التَّأْوِيل أقرب إِلَى الْهزْل مِنْهُ إِلَى أَقْوَال أهل الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان فَإِنَّمَا هَذِه ستائر دون مَذْهَبهم الْخَبيث الَّذِي ذكرنَا آنِفا وَقَالُوا كلهم أَن النّظر فِي دَلَائِل الْإِسْلَام فرض وَأَنه لَا يكون مُسلما حَتَّى ينظر فِيهَا وَأَن من شَرط النَّاظر فِيهَا أَن يكون وَلَا بُد شاكا فِي الله عز وَجل وَفِي صِحَة النُّبُوَّة وَلَا يَصح النّظر فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَدَلَائِل التَّوْحِيد لمن يعْتَقد صِحَّتهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالله مَا سمع سامع قطّ بادخل فِي الْكفْر من قَول من أوجب الشَّك فِي الله تَعَالَى وَفِي صِحَة النُّبُوَّة فرضا على كل متعلم لانجاه لَهُ إِلَّا بِهِ وَلَا دين لَا حد دونه وَأَن اعْتِقَاد صِحَة التَّوْحِيد لله تَعَالَى وَصِحَّة النُّبُوَّة بَاطِل لَا يحل فَحصل من كَلَامهم أَن من لم يشك فِي الله تَعَالَى وَلَا فِي صِحَة النُّبُوَّة فَهُوَ كَافِر وَمن شكّ فيهمَا فَهُوَ محسن مؤد مَا وَجب عَلَيْهِ وَهَذِه فضيحة وحماقة اللَّهُمَّ إِنَّا نبرأ إِلَيْك من هَذَا القَوْل وَمن كَانَ قَائِل بِهِ ثمَّ لم يَجدوا فِي أمد الِاسْتِدْلَال حدا فليت شعري على هَذَا القَوْل الملعون وَهُوَ ومعتقده والداعي إِلَيْهِ كَيفَ يكون حَال من قبل وصيتهم هَذِه الَّتِي هِيَ وَصِيَّة الشَّيْطَان الرَّجِيم فَتبين بِالشَّكِّ فِي الله تَعَالَى وَفِي النُّبُوَّة وامتد بِهِ أمد الِاسْتِدْلَال أَيَّامًا وأشهراً وساعات مَاتَ فِيهَا أَيْن مستقره ومصيره إِلَى النَّار وَالله خَالِدا مخلدا أَبَد وبيقين نَدْرِي أَن قَائِل هَذِه الْأَقْوَال مطَالب لِلْإِسْلَامِ كأدلة مرصد لأهل دَاعِيَة إِلَى الْكفْر ونعوذ بِاللَّه من الضلال وَقَالُوا كلهم أَن طَعَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المئين والعشرات من صَاع شعير مرّة بعد مرّة وسقيه الْألف والألوف من مَاء يسير يَنْبع من بَين أَصَابِعه وحنين الْجذع ومجيء الشَّجَرَة وَتكلم الذِّرَاع وشكوى الْبَعِير ومجيء الذِّئْب لَيْسَ شَيْء من ذَلِك دلَالَة على صدق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نبوته لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لم يتحد النَّاس بذلك وَلَا يكون عِنْدهم آيَة إِلَّا مَا تحدى بِهِ الْكفَّار فَقَط وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله إِذْ فعل ذَلِك أشهد أَنِّي رَسُول الله وَهَذَا أَيْضا قَول افتروه خالفوا فِيهِ جَمِيع أهل الْإِسْلَام وَقَالُوا كلهم لَيْسَ لشَيْء من الْأَشْيَاء نصف وَلَا ثلث وَلَا ربع وَلَا سدس وَلَا ثمن وَلَا عشر وَلَا بعض وَأَنه لَا يجوز أَن يُقَال الْفَرد عشر الْعشْرَة وَلَا أَنه بعض الْخَمْسَة وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَو جَازَ أَن يُقَال ذَلِك لَكَانَ عشرا لنَفسِهِ وَبَعض نَفسه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا جهل شَدِيد لِأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ بعض من جملَة يكون سائرها غَيره وَعشر جملَة يكون سائرها غَيره ونسوا أنفسهم فَقَالُوا بالجزء لَا يتَجَزَّأ ونسوا إِلْزَام أنفسهم أَن يكون جُزْءا لنَفسِهِ وَهَذَا تَكْذِيب لله عز وَجل إِذْ يَقُول فِي الْقُرْآن فلهَا النّصْف فلامه الثُّلُث فلامه السُّدس وَلكم الرّبع ولهن الثّمن بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَهَذَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كثير مَعَ مخالفتهم فِي ذَلِك جَمِيع أهل الأَرْض مؤمنهم وكافرهم وَمُخَالفَة كل لُغَة والمعقول والطبائع وَقَالُوا كلهم من قَالَ أَن النَّار تحرق أَو تفلح أَو أَن الأَرْض تهتز أَو تنْبت شَيْئا أَو أَن الْخمر يسكر أَو أَن الْخبز يشْبع أَو أَن المَاء يروي أَو أَن الله تَعَالَى ينْبت الزَّرْع وَالشَّجر بِالْمَاءِ فقد ألحد وافترى وَقَالَ الباقلاني من آخر السّفر الرَّابِع من كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن نَحن ننكر فعل النَّار للتسخين والإحراق وننكر فعل الثَّلج للتبريد وَفعل الطَّعَام وَالشرَاب للشبع والري وَالْخمر للإسكار كل هَذَا عندنَا بَاطِل محَال ننكره أَشد الْإِنْكَار وَكَذَلِكَ فعل الْحجر لجذب شَيْء أَو رده أَو حَبسه أَو إِطْلَاقه من جَدِيد أَو غَيره هَذَا نَص كَلَامه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُم لله عز وَجل إِذْ يَقُول {تلفح وُجُوههم النَّار} وَلقَوْله تَعَالَى {ونزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جنَّات وَحب الحصيد} وَقَوله تَعَالَى {إِنَّا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز فنخرج بِهِ زرعا تَأْكُل مِنْهُ أنعامهم وأنفسهم} الْآيَة وَقَوله تَعَالَى {فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} وَقد صككت بِهَذَا وَجه بعض مقدميهم فِي المناظرة فدهش وبلد وَهُوَ أَيْضا تَكْذِيب لقَوْل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ يَقُول كل مُسكر حرَام وكل سراب أسكر حرَام مَعَ مخالفتهم لكل لُغَة وَلكُل ذِي حس من مُسلم وَكَافِر ومكابرة العيان وَإِبْطَال الْمُشَاهدَة ثمَّ أظرف شَيْء احتجاجهم فِي هَذِه الطامة بِأَن الله عز وَجل هُوَ الَّذِي خلق ذَلِك كُله فَقُلْنَا لَهُم أوليس فعل كل حَيّ مُخْتَار واختياره خلقا لله عز وَجل فَلَا بُد من قَوْلهم نعم فَيُقَال لَهُم فَمن أَيْن نسبتم الْفِعْل إِلَى الْأَحْيَاء وَهِي خلق الله تَعَالَى ومنعتم من نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الجمادات لِأَنَّهُ خلق الله تَعَالَى وَلَا فرق وَلَكنهُمْ قوم لَا يعْقلُونَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَسمعت بعض مقدميهم يَقُول أَن من كَانَ على معاصي خَمْسَة من زنا وسرقة وَترك صَلَاة وتضييع زَكَاة وَغير ذَلِك ثمَّ تَابَ عَن بَعْضهَا دون بعض فَإِن تَوْبَته تِلْكَ لَا تقبل وَقد نَص السمناني على أَن هَذَا قَول الباقلاني وَهُوَ قَول أبي هَاشم الجبائي ثمَّ قَالَ السمناني هَذَا قَول خارق للْإِجْمَاع جملَة وَخلاف لدين الْأمة هَذَا نَص قَول السمناني فِي شَيْخه وشهدوا على أنفسهم وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتلاومون
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا القَوْل مُخَالف لِلْقُرْآنِ وَالسّنَن لِأَن الله تَعَالَى يَقُول {فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره} وَقَالَ تَعَالَى {وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا} الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى {إِنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى} وبالضرورة يدْرِي كل ذِي مسكة من عقله أَن التَّوْبَة من الزِّنَا خير كثير فَهَذَا الْجَاهِل يَقُول أَنه لَا يرَاهُ صَاحبه وَأَنه عمل ضائع عِنْد الله عز وَجل من مُسلم مُؤمن ومعاذ الله من هَذَا وسر هَذَا القَوْل الملعون وَحَقِيقَته الَّتِي لَا بُد لقائله مِنْهُ أَنه لَا معنى لمن أصر على الزِّنَا أَو شرب الْخمر فِي أَن يُصَلِّي وَلَا أَن يُزكي فقد صَار يَأْمر بترك الصَّلَاة الْخمس وَالزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحج فعلى هَذَا القَوْل وقائله لعائن الله تتري مَا دَار اللَّيْل وَالنَّهَار وَنَصّ السمناني عَن الباقلاني شَيْخه أَنه كَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لَا يغْفر الصَّغَائِر باجتناب الْكَبَائِر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأَن سَمِعت بعض مقدميهم يُنكر أَن يكون فِي الذُّنُوب صغائر وناظرته بقول الله تَعَالَى {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ} وَقلت بِالضَّرُورَةِ يدْرِي كل ذِي فهم أَن لَا كَبَائِر إِلَّا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهَا وَهِي السَّيِّئَات المغفورة باجتناب الْكَبَائِر بِنَصّ كَلَام الله تَعَالَى فقولك هَذَا خلاف لِلْقُرْآنِ مُجَرّد فخلط ولجأ إِلَى الحرد وَهَذَا مِنْهُم تَكْذِيب لله عز وَجل ورد لحكمه بِلَا كلفة وَمن شنعهم الممزوجة بالهوس وصفافة الْوَجْه قَوْلهم أَن لَا حر فِي النَّار وَلَا فِي الثَّلج برد وَلَا فِي الْعَسَل حلاوة وَلَا فِي الصَّبْر مرَارَة وَإِنَّمَا خلق الله تَعَالَى ذَلِك عِنْد اللَّمْس والذوق وَهَذَا حمق عَتيق قادهم إِلَيْهِ إنكارهم الطبائع وَقد ناظرناهم على ذَلِك هَذَا مَعَ قَول شيخهم الباقلاني أَن لقشور الْعِنَب رَائِحَة للزجاج والحصا طعماً ورائحة وَزَادُوا حَتَّى بلغُوا إِلَى أَن قَالُوا أَن للفلك طعماً ورائحة فليت شعري مَتى ذاقوه أَو شموه أَو من أخْبرهُم بِهَذَا وَهَذَا لَا يعرفهُ إِلَّا الله ثمَّ الْمَلَائِكَة الَّذين هُنَالك وَليكن من ذاق طعم الزّجاج وشم رَائِحَته فَغير مُنكر أَن يدعى مُشَاهدَة الْفلك ولمسه وَشمه وذوقه وَمن شنعهم قَوْلهم أَن من كَانَ الْآن على دين الْإِسْلَام مخلصاً بِقَلْبِه وَلسَانه مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة إِلَّا أَن الله عز وَجل يعلم أَنه لَا يَمُوت إِلَّا كَافِرًا فَهُوَ الْآن عِنْد الله كَافِرًا وَإِن من كَانَ الْآن كَافِرًا يسْجد للنار وللصليب أَو يَهُودِيّا أَو زنديقا مصرحين بتكذيب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا أَن فِي علم الله تَعَالَى أَنه لَا يَمُوت إِلَّا مُسلما فَإِنَّهُ الْآن عِنْد الله مُسلم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا قَالَ هَذَا مُسلم قطّ قبل هِشَام الغوطي وَهَذِه مُكَابَرَة للعيان وَتَكْذيب لله عز وَجل مُجَرّد كَأَنَّهُمْ مَا سمعُوا قطّ قَوْله تَعَالَى {ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا} فسماهم مُؤمنين ثمَّ أخبر تَعَالَى بِأَنَّهُم كفرُوا وَقَوله تَعَالَى {وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر} فَجعل الْإِسْلَام دينا لما كَانَ عَلَيْهِ إِذْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِن ارْتَدَّ مَعَه وَمَات كَافِرًا وَقَوله تَعَالَى مُخَاطبا للْمُسلمين من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم فَتَبَيَّنُوا} ويلزمهم أَن الَّذِي يسلم أَبوهُ وَلَا يسلم هُوَ لِأَنَّهُ كَانَ بَالغا ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فَلم يَرِثهُ لكفره ثمَّ أسلم أَن يفسخوا حكمهم ويورثوه من أَبِيه لِأَنَّهُ عِنْدهم كَانَ إِذْ مَاتَ أَبوهُ مُؤمنا عِنْد الله تَعَالَى ويلزمهم أَن من كَانَ صَبيا ثمَّ عَاشَ حَتَّى شاخ أَنه لم يكن عِنْد الله قطّ إِلَّا شَيخا وَلَو جمع مَا يدْخل عَلَيْهِم لقام مِنْهُ سفر ضخم وَقَالُوا كلهم أَنه لَيْسَ على ظهر الأَرْض يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ يقر بِقَلْبِه أَن الله حق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا تَكْذِيب لِلْقُرْآنِ على مَا بَينا قبل ومكابرة للعيان لأَنا لَا نحصي كم دخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم وَصلح إيمَانه وَصَارَ عدلا وَكلهمْ لَا يخْتَلف فِي أَنه كَانَ قبل إِسْلَامه مقرا بِاللَّه عز وَجل عَالما بِهِ كَمَا هُوَ بعد إِسْلَامه لم يزدْ فِي توحيده شَيْء فكابر والعيان وكذبوا لِلْقُرْآنِ بحمق وَقلة حَيَاء لَا نَظِير لَهُ وَقَالَ الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن مني قَول الله تَعَالَى {وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر} وَقَوله تَعَالَى {لَا يحب الْفساد} إِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يحب الْفساد لأهل الصّلاح وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ أَن يكفروا وَلم يرد أَنه لَا يرضاه لأحد من خلقه وَلَا يُحِبهُ لأحد مِنْهُم ثمَّ قَالَ وَإِن كَانَ قد أحب ذَلِك ورضيه لأهل الْكفْر وَالْفساد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى مُجَرّد ثمَّ أَيْضا أخبر بِأَن الْكفَّار فعلوا من الْكفْر أمرا رضيه الله تَعَالَى مِنْهُم وأحبه مِنْهُم فَكيف يدْخل هَذَا فِي عقل مُسلم مَعَ قَوْله تَعَالَى {اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم} وأعجبوا لظلمة جَهله إِذْ لم يفرق بَين إِرَادَة الْكفْر والمشيئة والخلق لَهُ وَبَين الرِّضَا والمحبة وَقَالَ أَيْضا فِيهِ أَن أقل من سُورَة من الْقُرْآن لَيْسَ بمعجز أصلا بل هُوَ مَقْدُور على مثله وَقَالَ أَيْضا فِي السّفر الْخَامِس من الدِّيوَان الْمَذْكُور أَن قيل كَيفَ تَقولُونَ أَكَانَ يجوز من الله أَن يؤلف الْقُرْآن تأليفاً آخر غير هَذَا يعجز الْخلق عَن مُقَابلَته قُلْنَا نعم هُوَ تَعَالَى قَادر على ذَلِك وعَلى مَا لَا غَايَة لَهُ من هَذَا الْبَاب وعَلى أقدار كَثِيرَة وأعداد لَا يحصيها غَيره إِلَّا أَن كَانَ تأليف الْكَلَام ونظم الْأَلْفَاظ لَا بُد أَن يبلغ إِلَى غَايَة وحد لَا يحْتَمل الْكَلَام أَكثر مِنْهُ وَلَا أوسع وَلَا يبْقى وَرَاء تِلْكَ الْأَعْدَاد نَص والأوزان شَيْء تتناوله الْقُدْرَة قَالَ وَلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نظر فِي تأليف الْكَلَام ونظم الْأَجْسَام وتصوير الْأَشْخَاص هَل يجب أَن يكون نِهَايَة لَا يحْتَمل الْمُؤلف والمنظوم فَوْقهَا وَلَا مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا أم لَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هُنَا صرح بِالشَّكِّ فِي قدرَة الله تَعَالَى الها نِهَايَة كَمَا يَقُول أَبُو الْهُذيْل أَخُوهُ فِي الضلال وَالْكفْر أم لَا نِهَايَة لَهَا كَمَا يَقُول أهل الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الضلال
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَقَد أَخْبرنِي بعض من كَانَ يداخلهم وَكَانَ لَهُ فيهم سَبَب قوي وَكَانَ من أهل الْفَهم والذكاء وَكَانَ يزري فِي بَاطِن أمره عَلَيْهِم أَنهم يَقُولُونَ أَن الله تَعَالَى مذ خلق الأَرْض فَإِنَّهُ خلق جسماً عَظِيما يمْسِكهَا عَن أَن تهوى هابطة فَلَمَّا خلق ذَلِك الْجِسْم أفناه فِي الْوَقْت بِلَا زمَان وَخلق آخر مثله يمْسِكهَا أَيْضا فَلَمَّا خلقه أفناه إِثْر خلقه بِلَا زمَان أَيْضا وَخلق آخر وَهَكَذَا أبدا أبدا بِلَا نِهَايَة قَالَ لي وحجتهم فِي هَذَا الوسواس وَالْكذب على الله تَعَالَى فِيهِ مِمَّا لم يقلهُ أحد قبلهم مِمَّا يكذبهُ الْحس والمشاهدة أَنه لَا بُد للْأَرْض من جسم مُمْسك والاهوت فَلَو كَانَ ذَلِك الممسك يبْقى وَقْتَيْنِ أَو مِقْدَار طرفَة عين لسقط هُوَ أَيْضا مَعهَا فَهُوَ إِذا خلق ثمَّ أفنى إِثْر خلقه وَلم يَقع لِأَن الْجِسْم عِنْدهم فِي ابْتِدَاء خلقه لَا سَاكن وَلَا متحرك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا احتجاج للحمق بالحمق وَمَا عقل أحد قطّ جسماً لَا سَاكِنا وَلَا متحركاً بل الْجِسْم فِي ابتداه خلق الله تَعَالَى لَهُ فِي مَكَان مُحِيط بِهِ فِي جهاته وَلَا شكّ سَاكن فِي مَكَانَهُ ثمَّ تحرّك وَكَأَنَّهُم لم يسمعوا لقَوْل الله تَعَالَى {أَن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا} فَأخْبر تَعَالَى أَنه يمْسِكهَا كَمَا شَاءَ دون تكلّف مَا لم يخبرنا الله تَعَالَى بِهِ وَلَا جعل فِي الْعُقُول دَلِيلا عَلَيْهِ وَلَو أَن قَائِل هَذَا الْحمق وقف على الْحق وطالع شَيْئا من براهين الْهَيْئَة لحجل مِمَّا أَتَى بِهِ من الهوس وَمن شنعهم قَول هَذَا الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن إِن تَقْسِيم آيَات الْقُرْآن وترتيب مَوَاضِع سوره شَيْء فعله النَّاس وَلَيْسَ هُوَ من عِنْد الله وَلَا من أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فقد كذب هَذَا الْجَاهِل وأفك أتراه مَا سمع قَول الله تَعَالَى {مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} وَقَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آيَة الْكُرْسِيّ وَآيَة الْكَلَالَة وَالْخَبَر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْمر إِذا نزلت الْآيَة أَن تجْعَل فِي سُورَة كَذَا وَمَوْضِع كَذَا وَلَو أَن النَّاس رتبوا سوره لما تعدوا أحد وُجُوه ثَلَاثَة إِمَّا أَن يرتبوها على الأول فَالْأول نزولاً أَو الأطول فَمَا دونه أَو الأقصر فَمَا فَوْقه فَإذْ لَيْسَ ذَلِك كَذَلِك فقد صَحَّ أَنه أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي لَا يُعَارض عَن الله عز وَجل لَا يجوز غير ذَلِك أصلا وَمن شنعهم قَول الباقلاني فِي كِتَابه فِي مَذَاهِب القرامطة قرب آخر الْكتاب فِي بَاب تَرْجَمته ذكر جمل مقالات الدهرية والفلاسفة والثنوية قَالَ الباقلاني فَأَما مَا يَسْتَحِيل بَقَاؤُهُ من أَجنَاس الْحَوَادِث وَهِي الْأَعْرَاض فَإِنَّمَا يجب عدمهَا فِي الثَّانِي من حَال حدوثها من غير معدم وَلَا شَيْء يفنيها هَذَا نَص كَلَامه وَقَالَ مُتَّصِلا بِهَذَا الْفَصْل وَأما نَحن فَنَقُول أَنَّهَا تفني الْجَوَاهِر نعني بِقطع الأكوان عَنْهَا من حَيْثُ لَا يَصح لَهَا وجود لَا فِي مَكَان وَلَا فِيمَا يقدر تَقْدِير الْمَكَان وَإِذا لم يلْحق فِيهَا شَيْء من الأكوان فَعدم مَا كَانَ يخلق فِيهَا مِنْهَا أوجب عدمهَا هَذَا نَص كَلَامه وَهَذَا قَول بإفناء الْجَوَاهِر والأعراض وَهُوَ فنَاء وإعدام لَا فَاعل لَهما وَإِن الله تَعَالَى لم يفنى الفاني ونعوذ بِاللَّه من الضلال والحاد الْمَحْض وَقَالُوا بأجمعهم لَيْسَ لله تَعَالَى على الْكفَّار نعْمَة دينية أصلا وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ شيخهم ولاله على الْكفَّار نعْمَة دنيوية أصلا وَهَذَا تَكْذِيب مِنْهُ وَمن أَتْبَاعه الضلال لله عز وَجل إِذْ يَقُول {بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار} وَإِذ يَقُول عز وَجل {يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَإِنِّي فضلتكم على الْعَالمين} وَإِنَّمَا خَاطب تَعَالَى بِهَذَا كفَّارًا جَحَدُوا نعْمَة الله تَعَالَى تبكيتاً لَهُم وَأما الدُّنْيَوِيَّة فكثير قَالَ تَعَالَى {قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره} إِلَى قَوْله {فَلْينْظر الْإِنْسَان إِلَى طَعَامه} الْآيَة وَمثله من الْقُرْآن كثير وَقَالَ الباقلاني فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالانتصار فِي الْقُرْآن فِي بَاب مترجم بِبَاب الدّلَالَة على أَن الْقُرْآن معجز للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكروا سُؤال الْمُلْحِدِينَ عَن الدَّلِيل على صِحَة مَا ادَّعَاهُ الْمُسلمُونَ من أَن الْقُرْآن معجز فَقَالَ الباقلاني يُقَال لَهُم مَا معنى وصف الْقُرْآن وَغَيره من آيَات الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَنَّهُ معجز فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه مِمَّا لَا يقدر الْعباد عَلَيْهِ وَأَن يَكُونُوا عاجزين على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا وصف الْقُرْآن وَغَيره من آيَات الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كعصى مُوسَى وَخُرُوج النَّاقة من الصَّخْرَة وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الْمَوْتَى بِأَنَّهُ معجز وَإِن لم يتَعَلَّق بِهِ عجز عَاجز عَنهُ على وَجه التَّسْمِيَة بِمَا يعجز عَنهُ الْعَاجِز من الْأُمُور الَّتِي صَحَّ عجزهم عَنْهَا وقدرتهم عَلَيْهَا لأَنهم لم يقدروا على معارضات آيَات الرُّسُل غير عَن عدم قدرتهم على ذَلِك فالعجز عَنهُ تَشْبِيها لَهُ بالمعجوز عَنهُ قَالَ الباقلاني وَمِمَّا يدل على أَن الْعَرَب لَا يجوز أَن تعجز عَن مثل الْقُرْآن لِأَنَّهُ قد صَحَّ وَثَبت أَن الْعَجز لَا يكون عَجزا إِلَّا عَن مَوْجُود فَلَو كَانُوا على هَذَا الأَصْل عاجزين عَن مثل الْقُرْآن وَعصى مُوسَى وإحياء الْمَوْتَى وَخلق الْأَجْسَام والأسماع والأبصار وكشف الْبلوى والعاهات لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك الْمثل مَوْجُودا فيهم وَمِنْهُم كَمَا كَانُوا قَادِرين على ذَلِك لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك مِنْهُم وَلما لم يكن ذَلِك كَذَلِك ثَبت أَنه لَا يجوز عجز الْعباد على الْحَقِيقَة عَن مثل الْقُرْآن مَعَ عَدمه مِنْهُم وَكَونه غير مَوْجُود لَهُم وَلَا عَن قلب عصى مُوسَى حَيَّة وَلَا عَن مثل ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أينتظر كفر بعد هَذَا الْكفْر

شاهد أيضاً

الاستشهاد بحديث فتح القسطنطينية على صحة العقيدة الماتريدية

وردني هذا السؤال من أحد الإخوى -جزاه الله خيرًا كيف الفرقه الماتوريديه فرقه باطله ومحمد …