الرئيسية » تراجم السلف » القاسم بن سلام ت224هـ | سلسلة علماء السلف

القاسم بن سلام ت224هـ | سلسلة علماء السلف

القاسم بن سلام ت224هـ | سلسلة علماء السلف | محمد بن شمس الدين

224 أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمِ

الإِمَامُ، الحَافِظُ المُجْتَهِدُ، ذُو الفُنُوْنِ بنِ عَبْدِ اللهِ.

و157 ت224هـ كبار الآخذين عن تبع الأتباع

الإِمَامُ، الحَافِظُ المُجْتَهِدُ، ذُو الفُنُوْنِ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمِ بنِ عَبْدِ اللهِ.  من علماء النَحْوِ وَالعَرَبِيَّة. وَكان ذا طَلَبٍ لِلْحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ.

باختصار: هذا الرجل ما تكلم في فن إلا بَرَع فيه. يقول الحاكم النيسابوري (ت405هـ): الإِمَامُ المَقْبُوْلُ عِنْد الكُلِّ أَبُو عُبَيْدٍ. وقال أبو عمرو الداني (ت444هـ): وَهُوَ إمام أهل دهره في جَمِيْعِ العُلُوْمِ ثِقَةٌ مَأْمُوْنٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ. حتى قَالَ أَبُو العَبَّاسِ ثَعْلَبٌ (ت291هـ) ([1]): لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيْلَ لكان عجبًا. وأقول أنا [ابن شمس الدين]: لو كان صوفيا لعبدوه كما عبدو الجيلاني.

 

أبو عبيدٍ كَانَ أَبُوْهُ سَلاَّمٌ مَمْلُوْكاً رُوْمِياً لِرَجُلٍ هَرَوِيٍّ. وكعادة الأعاجم، كثير منهم تبقى في لسانه العُجمة، فيُرْوَى: أَنَّهُ خَرَجَ يَوْماً، وَوَلَدُهُ أَبُو عُبَيْدٍ مَعَ ابْنِ أُسْتَاذِهِ فِي المَكْتَبِ فَقَالَ لِلْمُعَلِّمِ: عَلِّمِي القَاسِمَ فَإِنَّهَا كَيِّسَةٌ.

فانظر إلى الأب الحريص على تعليم ابنه العلم النافع، كيف أخرج لنا إماما في اللغة! فقد كانت براعته في اللغة أكثر من براعته في باقي الفنون.

قال أبو قدامة السرخسي: لما سأله إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي طَالِبٍ: عن الشافعي، وأحمد إسحاق وَأَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ: أَمَّا أَفْقَهُهُم فَالشَّافِعِيُّ لَكِنَّهُ قَلِيْلُ الحَدِيْثِ، وَأَمَّا أَوْرَعُهُم: فَأَحْمَدُ وَأَمَّا أَحْفَظُهُم: فَإِسْحَاقُ، وَأَمَّا أَعْلَمُهُم بِلُغَاتِ العَرَبِ فَأَبُو عُبَيْدٍ.

إلا أن هذا لا يعني قلة بضاعته في سائر العلوم، فقد قال إِسْحَاقَ بنَ رَاهْوَيْه 238 هـ ُ: الحَقُّ يُحِبُّهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ أَفْقَهُ مِنِّي وَأَعْلَمُ مِنِّي.

 

من شيوخه:

شَرِيْكَ بنَ عَبْدِ اللهِ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ عَيَّاشٍ، وَسُفْيَانَ بنَ عُيَيْنَةَ، وَأَبَو بَكْرٍ بنَ عَيَّاشٍ، وَعَبْدَ اللهِ بنَ المُبَارَكِ، وَسَعِيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُمَحِيَّ، وَحَفْصَ بنَ غِيَاثٍ، وَوَكِيْعاً، وَأَبَو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيْرَ، وَيَحْيَى بن سعيد القَطَّانَ.

وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى: أَبِي الحَسَنِ الكِسَائِيِّ صاحب القراءة. وَعن إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ ت180هـ (وهو من شيوخ الكسائي)، وَشُجَاعِ بنِ أَبِي نَصْرٍ البَلْخِيِّ ت190 (وهو من شيوخ الدوري). وَسَمِعَ الحُرُوْفَ مِنْ طَائِفَةٍ.

 

من تلاميذه:

ابن أبي الدنيا، والحارث بن أبي أسامة (صاحب مسند الحارث)، وَمُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى المَرْوَزِيُّ، والإمام الدارمي صاحب المسند. وأَحْمَدُ بنُ يَحْيَى البَلاَذُرِيُّ (صاحب تاريخ البلاذري)

 

من تصانيفه

وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ المُونِقَةَ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكبَانُ

منها:

الإيمان: رد به على المرجئة، وبين قول أهل السنة في أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأحتج عليهم بالكتاب والسنة وقول الصحابة والأئمة وباللغة، ور معها عدد من شبهات الغلاة.

الغريب المصنف: وهو معجم في الألفاظ العربية، رتبه على الموضوعات، مثل: صفات النساء، أسماء الألبسة، أسماء السيوف.

قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَدَدتُ حُرُوْفَ غَرِيْبِ المُصَنَّفِ، فَوَجَدتُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفاً وَتِسْعَ مائَةٍ وَسَبْعِيْنَ حَرْفاً.

غريب الحديث: يذكر لك الأحاديث مرتبة على الصحابة الذين نقلوها، فيذكر حديث فلان (عمر مثلا) ويذكر أحاديثه ويذكر ما فيها من ألفاظ غريبة (يعني قليلة الاستعمال) ويفسرها، وكذلك يفعل مع المراسيل.

وله: الأموال، الناسخ والمنسوخ، فضائل القرآن، الطهور.

 

انتقده بعضهم فيما يخص ايراده أحاديث ضعيفة في مصنفاته     …

قَالَ مُكْرَمُ بنُ أَحْمَدَ: قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ جَبَلٌ نُفِخَ فِيْهِ الرُّوحُ يُحْسِنُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الحَدِيْثَ صِنَاعَةَ أَحْمَدَ وَيَحْيَى.

لاوقال الذهبي: وقع في كتابه الطهارة، وكتاب غريب الحديث أحاديث لا تصح.

 

وَلِيَ قَضَاءَ طَرَسُوْسَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أَيَّامَ الأَمِيْرِ ثَابِتِ بنِ نَصْرٍ الخُزَاعِيِّ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فَفَسَّرَ بِهَا غَرِيْبَ الحَدِيْثِ، وَصَنَّفَ كُتُباً وَحَدَّثَ، وَحَجَّ فَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ.  وكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ أَحْمَرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِالخِضَابِ، وَكَانَ مهيبًا وقورًا.

حَمْدَانَ بنَ سَهْلٍ يَقُوْلُ: سَأَلْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ عَنِ الكَتْبَةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ وَتَبَسَّمَ: مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ؟! أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنِ النَّاسِ لَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ الأَصْمَعِيِّ يَوْماً إِذْ أَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فَشَقَّ إِلَيْهِ بَصَرَهُ حَتَّى اقْتَرَبَ منه، فقال: أترون هذا المقبل? قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: لَنْ تَضِيعَ الدُّنْيَا أَوِ النَّاسُ مَا حَيِيَ هَذَا.

 

يقول الهِلاَلُ بن العَلاَءِ الرَّقِّيُّ ت280هـ: مَنَّ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ بِأَرْبَعَةٍ فِي زَمَانِهِم: بِالشَّافِعِيِّ تَفَقَّهَ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبِأَحْمَدَ ثَبَتَ فِي المِحْنَةِ لَوْلاَ ذَلِكَ كَفَرَ النَّاسُ، وَبِيَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ نَفَى الكَذِبَ عَنِ الحَدِيْثِ، وَبأَبِي عُبَيْدٍ فَسَّرَ الغَرِيْبَ مِنَ الحَدِيْثِ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لاَقْتَحَمَ النَّاسُ فِي الخَطَأِ.

 

وَقَالَ عَبَّاسُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أَبُو عُبَيْدٍ مِمَّنْ يَزْدَادُ عِنْدَنَا كُلَّ يَوْمٍ خَيْراً. وكان يَقُوْلُ: أَبُو عُبَيْدٍ أُسْتَاذٌ

وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ القَاضِي: كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ فَاضِلاً فِي دِيْنِهِ وَفِي عِلْمِهِ رَبَّانِيّاً، مُفَنَّناً فِي أَصنَافِ عُلُوْمِ الإِسْلاَمِ مِنَ القُرْآنِ وَالفِقْهِ وَالعَرَبِيَّةِ وَالأَخْبَارِ حَسَنَ الرِّوَايَةِ صَحِيْحَ النَّقلِ لاَ أَعْلَمُ أَحَداً طَعَنَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمرِهِ وَدِينِهِ.

 

من أقواله:

المُتَّبِعُ السُّنَّةَ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ، هُوَ اليَوْمَ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ فِي سَبِيْلِ اللهِ.

قَالَ عَبَّاسٌ الدُّوْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ يَقُوْلُ: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام فما رَأَيْتُ قَوْماً أَوْسَخَ وَسَخاً وَلاَ أَضْعَفَ حُجَّةً مِنْ، وَلاَ أَحْمَقَ مِنْهُم وَلَقَدْ وَلِيتُ قَضَاءَ الثَّغْرِ فنفيت منهم ثلاثة رجال جهميين، ورافضي أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم ([2]).

نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -أي الجهمية- وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. ([3])

 

اعتقاده

الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا العَبَّاسُ الدُّوْرِيُّ سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ القَاسِمَ بنَ سَلاَّمٍ، وَذَكَرَ البَابَ الَّذِي يُرْوَى فِيْهِ الرُّؤْيَةُ وَالكُرْسِيُّ مَوْضِعَ القَدَمَيْنِ، وَضَحِكُ رَبِّنَا من قنوط عباده وَأَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قبل أن يخلق السماء وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث. فَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيْثُ صِحَاحٌ حَمَلَهَا أَصْحَابُ الحَدِيْثِ، وَالفُقَهَاءُ بَعْضُهُم عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ لاَ نَشُكُّ فِيْهَا وَلَكِن إِذَا قِيْلَ: كَيْفَ يَضْحَكُ؟ وَكَيْفَ وَضَعَ قَدَمَهُ؟ قُلْنَا: لاَ نُفَسِّرُ هَذَا، وَلاَ سمعنا أحدًا يفسره. ([4])

 

وقال له رجل: ما تقول في رأي أهل الكلام؟ فقال: لقد دَلَّك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، فقال: {فَإِنْ تنازعتم في شَيْءٍ فردوه إلى اللَّهِ}  الآية. أما لك فيما دلك عليه ربك، من كلامه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ما يغنيك عن الرجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك الله عن الكلام في ذاته وصفاته، إلا حسب ما أطلقه لك قال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} . وقال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} الآية. ([5])

 

اعلم رحمك الله: أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.

وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان.

وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وينفيان ما قالت الأخرى.

 

فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة

  • ([1]) إمام الكوفيّين في النّحو واللّغة والدّيانة. ت 291 هـ
  • ([2]) السنة للخلال (1/ 499 – 500) وهو في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (ص.65 – 66).
  • ([3]) مجموع الفتاوى (12/ 509).
  • ([4]) سير أعلام النبلاء (10/ 505) وهو في أصول الاعتقاد (3/ 581/ 928).
  • ([5]) ذم الكلام (258).

شاهد أيضاً

ابن أبي شيبة ت235هـ | سلسلة علماء السلف

235 ابن أبي شيبة هو الإِمَامُ, العَلَمُ, سَيِّدُ الحُفَّاظِ عبد الله بن محمد بن القَاضِي …