هل نشهد للكافر بعينه بدخول النار؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد

هذه كلمات في بيان عدم الترردد بالقول بأن الكافر بعينه بعد هلاكه داخل النار.

 

أولا: أدلة الكتاب

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

قال مقاتل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ حين ماتوا على الكُفْر

قال الطبري: وقد تأوّل قوم أنّ النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وقالوا: ذلك لا يتبينه أحدٌ إلا بأن يموت على كفره، وأما وهو حيٌّ فلا سبيل إلى علم ذلك، فللمؤمنين أن يستغفروا لهم.

قال ابن أبي زمنين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَي: مَاتُوا على الْكفْر

قلت: فموته على الكفر الظاهر هو بيان لنا بأنه من أصحاب الجحيم، ولا يجوز لأحد أن يقول إن ذلك الميت قد يكون تاب قبل موته بساعة، أو كان يكتم إيمانه بعد بيان الله تعالى أن الموت على الكفر بيان للمؤمنين أن ذلك الميت من أهل الجحيم. فإن قال قائل: لكنها قد تحصل، بأن يؤمن قبل موته بقليل، أو يكتم إيمانه، قلنا: هذا نادر، والنادر لا حكم له، كما أنه لا يجوز تعطيل الحكم الجلي لتوهم احتمال نادر.

 

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾

عن ابن المسيب، عن أبيه: قال: لَمّا مات وهو كافِر

عن عبد الله بن عباس: فلمّا مات تبيَّن له أنّه عدوٌّ لله

عن مجاهد بن جبر قال: مَوْتُه وهو كافِر.

عن الحسن البصري: مات على الشرك

 

ومن السنة

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَيْثُمَا ‌مَرَرْتَ ‌بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ ‌بِالنَّارِ»

وهذا حديث صحيح (ولو أعله بعض الحفاظ بالإرسال فقول المصححين أولى)

قلت: فهذا صريح في المسألة، ولا يقال: لعله أسلم، وقد، ويحتمل… بل نبشره بالنار تصديقا لأخبار القرآن الكريم.

 

وروى البخاري ومسلم عن عمر قال: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ ‌وَقَتْلَاهُمْ ‌فِي ‌النَّارِ؟ قَالَ ﷺ: «بَلَى»

قلت: فهذا الآخر صريح بالحكم عليهم بالنار، ولو كان الاحتمال أنهم أسلموا يتطرق على قتيل المعركة كما يتطرق على الميت في فراشه.

 

قال الخلَّال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: «قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ , لَا دِيَةَ لَهُمْ، وَقَتْلَاهُمْ فِي ‌النَّارِ يُعَذَّبُونَ» فَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ، وَنَحْنُ ‌نَشْهَدُ لَهُمْ. [السنة لأبي بكر بن الخلال (482)]

 

عَنِ ابْنِ ‌عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ الْمُوجِبَاتُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينُ يَأْكُلُونُ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةِ، وَمِثْلَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قَالَ: «كُنَّا نَشْهَدُ عَلَى مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي النَّارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ قَوْلُهُ: ﴿‌إِنَّ ‌اللهَ ‌لَا ‌يَغْفِرُ ‌أَنْ ‌يُشْرَكَ ‌بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ كَفَفْنَا، عَنِ ‌الشَّهَادَةِ فَخِفْنَا عَلَيْهِمْ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ لَهُمْ» [المعجم الكبير للطبراني 13332 – أصول السنة لابن أبي زمنين 183 – تفسير ابن أبي حاتم (4885) قال نايف الشحود: حسن]

قلت: فالشهادة بالنار عندهم معروفة، كانوا يشهدون لأعيان المسلمين بالنار لوقوعهم فيما توعد الله فاعله بالنار، دون وضع احتمالات متوهمة بأنه قد يكون تاب، ثم لما نزلت الآية في غفران ما دون الشرك تركوا الشهادة على غير المشرك، وهذا يدلك على بقائها في المشرك، دون وضع احتمالات متوهمة بأنه قد يكون أسلم.

 

كلام السلف والمتقدمين

قال أحمد بن حنبل: «وَلَا ‌نشْهد على أهل الْقبْلَة بِعَمَل يعمله بجنة وَلَا ‌نَار نرجو للصالح ونخاف عَلَيْهِ ونخاف على الْمُسِيء المذنب وَنَرْجُو لَهُ رَحْمَة الله» [‌‌أصول السنة 23]

قلت: خص كلامه بأهل القبلة.

قال إسحاق بن إبراهيم: «مضت السنّة من النبي ﷺ والخلفاء من بعده، واجتمع علماء الأمصار على ذلك: ألا ‌يشهد أحذ على أحدٍ -بعد النبي ﷺ- أنه في الجنة؛ لصلاحه وفضله وسوابقه، ولا أحد أنه من أهل ‌النار؛ لارتكاب المعاصي والذنوب، ونكل ذلك إلى اللَّه، فإنه الذي يتولى السرائر» [“مسائل حرب” ص 390]

قلت: قوله « لارتكاب المعاصي والذنوب» يقال في المسلم لا في الكافر، فكلامه عن عدم الشهادة هو في المسلمين.

 

قال المزني: «والمؤمنون فِي الْإِيمَان يتفاضلون وبصالح الْأَعْمَال هم متزايدون وَلَا يخرجُون بِالذنُوبِ من الْإِيمَان وَلَا يكفرون بركوب كَبِيرَة وَلَا عصيان وَلَا نوجب لمحسنهم الْجنان بعد من أوجب لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا ‌نشْهد على مسيئهم ‌بالنَّار» [شرح السنة للمزني ص78]

قلت: قال: «مسيئهم»  الهاء عائدة على المؤمنين، فالمؤمن هو من لا نشهد له.

 

قال حرب الكرماني: «ولا ‌نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في ‌النار لذنب عمله» [السنة له]

قلت: قال « من أهل القبلة»

 

قال ابن أبي زمنين: «وَلَا يَشْهَدُونَ لِأَحَدٍ أَنَّهُ فِي اَلْجَنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْصِ اَللَّهَ وَلَا أَنَّهُ فِي اَلنَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ اَلْكَبَائِرَ، وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُبْتَدِعٌ» [أصول السنة ص222]

قلت: قوله «وإن عمل الكبائر» تقال في المسلم، لا في الكافر.

 

قال الإسماعيلي: «ولا يقطعون على أحد من أهل الملة أنه من أهل الجنة أو من أهل ‌النار» [اعتقاد أئمة الحديث ص68]

قلت: قال: «من أهل الملة»

قال أبو عمرو الداني: «ومن قولهم: أن لا ‌ينزل ‌أحدا ‌من ‌أهل القبلة جنة ولا ناراً إلا من ورد التوقيف بتنزيله» [الرسالة الوافية ص188]

قلت: قال: «من أهل القبلة»

 

فهذا قولهم في عدم الشهادة، كله في المؤمنين، فإذا وضعت الاحتمالات الموهومة بأن المسلم قد يكون كفر، والكافر قد يكون أسلم، فلا يعود لتخصيصهم المسلمين في هذه المسألة أي قيمة، وسيصير كلامهم حشو. ثم إنك لا تجد أحدًا منهم قال مثلا «ولا نشهد لكافر بجنة ولا نار» فتخصيصهم ذلك بالمسلم ليس عبثًا، وإعراضهم عن ذكر الكافر ليس نسيانا اعترى جميعهم.

فإذا وجدت كلاما موهمًا للإمام أحمد فاحمله على المحكم الذي سبق بيانه من كلامه

أعني ما جاء في السنة لأبي بكر بن الخلال 763 – أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ [هو أحمد بن حنبل]: الْبَرَاءَةُ بِدْعَةٌ، وَالْوَلَايَةُ بِدْعَةٌ، ‌وَالشَّهَادَةُ بِدْعَةٌ؟ قَالَ: «الْبَرَاءَةُ أَنْ تَتَبَرَّأَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْوَلَايَةُ أَنْ تَتَوَلَّى بَعْضًا وَتَتْرُكَ بَعْضًا , ‌وَالشَّهَادَةُ أَنْ تَشْهَدَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ فِي ‌النَّارِ»

قلت، قوله «على أحد» يحمل على المسلمين كما سبق بيانه في أصول الإمام.

 

وتجد للمعاصرين كلاما أكثره مجمل هكذا، فإنهم على ضربين، إما قد التبس عليهم كلام السلف فظنوا أنه في المسلم والكافر، أو هم قصدوا المسلم.

 

وبرهان ذلك ما رواه ابن الجعد (1905) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ: أَشْهَدُ عَلَى ‌الْحَجَّاجِ، وَعَلَى أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا ‌فِي ‌النَّارِ؟ قَالَ: «لَا، إِذَا أَقَرَّا بِالتَّوْحِيدِ»

قلت: علل عدم الشهادة عليهما بأنهما موحدان، فمفهومه الشهادة على من لم يقر بالتوحيد. ولا يقال لنا «وما ادرانا أنه لم يسلم سرا» فالحكم مبني على ظاهره كما إقرارهما بالتوحيد بحسب الظاهر.

 

أمثلة لعمل السلف

 

السنة لأبي بكر بن الخلال 1768 – أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَيْمُونِيَّ، يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَمَّا أُخْرِجَتْ جِنَازَةُ ابْنِ طَرَّاحٍ [جهمي]، جَعَلُوا الصِّبْيَانَ يَصِيحُونَ: «اكْتُبْ إِلَى مَالِكٍ: ‌قَدْ ‌جَاءَ ‌حَطَبُ ‌النَّارِ» [أي: مالك خازن النار] قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُسَتِّرُ وَجَعَلَ يَقُولُ: «يَصِيحُونَ، يَصِيحُونَ»

قلت: فسماه حطب النار بعد موته.

 

قَالَ ابن السماك: أردت الحج فَقَالَ لِي زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ: إِذَا لَقِيتَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: أَخْبِرْنِي فِي الْجَنَّةِ أَنَا أَمْ فِي النَّارِ؟

قَالَ: فَلَقِيتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَعْرِفُ زُرَارَةَ بْنَ أَعْيَنَ؟ قَالَ: نَعَمْ رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ. قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ:

أَخْبِرْنِي فِي الْجَنَّةِ أَنَا أَمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: فَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ فِي النَّارِ. ثُمَّ قَالَ:

وَتَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنِّي أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحَدًا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ [المعرفة والتاريخ – ت العمري – ط العراق 2/ 672]

السنة لأبي بكر بن الخلال 2/ 366: 498 – وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [هو الإمام أحمد]: «‌وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبَا ‌لَهَبٍ، فِي ‌النَّارِ، هُمْ لَا يَقُولُونَ أَبُو ‌لَهَبٍ فِي ‌النَّارِ، لَيْسَ فِي أَبِي ‌لَهَبٍ حَدِيثٌ أَنَّهُ فِي ‌النَّارِ، هُوَ فِي الْكِتَابِ، وَنَحْنُ ‌نَشْهَدُ أَنَّ أَبَا ‌لَهَبٍ وَأَبَا ‌جَهْلٍ فِي ‌النَّارِ»

قلت: ولم يرد في دخول أبي جهل النار حديث ولا آية، ولا نص قطعي في أنه لم يتب قبل أن يهلك، وهذا الاحتمال وارد فيه وفي غيره ممن يقولون: لا ندري هل أسلم أم لا.

الإبانة الكبرى لابن بطة 6/ 104: 352 – حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْخَطَبِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: ذُكِرَ لِي ” أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ لَمَّا مَاتَ بِشْرٌ ‌الْمِرِّيسِيُّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَجَّلَهُ إِلَى ‌النَّارِ ”

 

هل نشهد للكافر بعينه بدخول النار؟
تمرير للأعلى