أدلة الوحي على كفر الجهميَّة
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
«وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور وأثر مأثور وكفر مشهور»
وللتحايُل على هذه القاعدة الرصينة، يزعم الغُلاة أنَّ مَن يكفِّرونه قد خالف القرآن، وبناءً عليه يكفر بمجرد تلك المخالفة. وتحذيراً من هذا المسلك المائل، نضع التقييد الآتي:
هل كل مَن خالف القرآن يكفر؟
أولاً: المخالفة في الأعمال
ولها نوعان: 1. مخالفة لشهوة أو جهل أو تقصير: فاعلها يقع في الخطأ أو العصيان أو الفسوق.ثانياً: المخالفة في الأخبار
ولها نوعان: 1. عدم فهم الخبر (الخطأ): لا تُدخل صاحبها في الكفر.فما الدليل على كفر الجهميَّة؟
كفرت الجهمية لارتكابها مسألتين عظيمتين:
أولاً: القول بخلق القرآن
يستند الدليل على كفر مَن قال بخلق القرآن إلى أمرين محكمين:
﴿فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ 24 إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ 25 سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ 26﴾
1. قال التفتازاني:
«القرآن قد يطلق على هذا الكلام النفسي القديم، كما يطلق على النظم المتلو الحادث» [شرح العقائد النسفية - 1/42]
2. قال إبراهيم اللقاني:
«القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق» [تحفة المريد - 1/159]
3. قال العز بن عبد السلام:
«لفظَ القرآن يُطلق في الشرعِ واللسانِ على الوصف القديم، ويُطلق على القراءة الحادثة» [رسائل العز - 1/22]
ثانياً: إنكار الصِّفات
إنَّ من لم يدرك حقيقة مذهب الجهمية في الصفات قد لا يتبيَّن له حقيقة كفرهم.
«إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان... فهو التزام للتجسيم... وإذا أزيل الظاهر قطعاً فلابد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول.» [الإرشاد - ص60]
«المصير إلى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل... وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحاً» [أساس التقديس - 1/67]
فأدركوا المعنى ثم حرَّفوه لمصادمته القواعد الأرسطيَّة؛ وبناءً عليه كفروا من جهتين:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾
﴿أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾