الشبهة:
كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إخوتها أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِسَالِمٍ مِنْ دُونِ النَّاسِ
فكيف تستحل عائشة رضي الله عنها أن يرضع الرجال من قريباتها، وكيف تستحل بذلك أن يدخلوا عليها؟الجواب
أولا: هل ثبت ذلك؟
هذا النص الذي يستشهدون به هو جزء من رواية رواها أحمد وأبو داود وابن الجارود وأبو عوانة وغيرهم.أدلَّة أن الكلام مِن مراسيل الزهري:
أولا: في رواية الإمام مسلم :حدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث ، حدثني أبي ، عن جدي ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، أنه قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة ، أن أمه زينب بنت أبي سلمة ، أخبرته أن أمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: « أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا».
عن مالك ، عن ابن شهاب ؛ أنه سئل عن رضاعة الكبير. فقال: أخبرني عروة بن الزبير ، أن أبا حذيفة (الحديث) فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين. في من كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال. فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. وبنات أختها أن ترضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس. وقلن: لا والله، ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في رضاعة سالم وحده. لا، والله، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد. فعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في رضاعة الكبير .
«حَدِيثٌ مُرْسَلٌ أَدْخَلَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْمُسْنَدِ، وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ مُسْنَدًا، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكٍ بِطُولِهِ، فَأَسْنَدَهُ أَيْضًا».
هل الزُّهري كان يُدرِج في الأحاديث
كان الإمام الزُّهريُّ أحيانًا يحدِّثُ بأحاديث، ثم يعلِّقُ عليها بكلام من عنده بلا إسناد، وهذا ما يسميه أهل العلم: (الإدراج) لأن هناك من يتوهم أنه من ضمن الحديث. قال أبو حاتم: «وَقَدْ كَانَ الزُّهْري يحدِّث بِالْحَدِيثِ، ثم يقولُ على إثره كلامً ، فكان أقوامٌ لا يَضْبِطون، فجعلوا كلامَهُ فِي الْحَدِيثِ، وأمَّا الحفَّاظُ وأصحابُ الْكُتُبِ فَكَانُوا يميِّزون كلامَ الزُّهْري من الحديث». [العلل لابن أبي حاتم (4/ 462 ت الحميد)] ويسمونه (مُرسَل) لأن الزهري لا يذكر له إسنادا. فما قيمة هذه المراسيل في ميزان أهل الحديث؟ «عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ مَرَاسِيلُ الْزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ». [المراسيل لابن أبي حاتم (ص3)] «كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو يمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشئ علقوه». [الجرح والتعديل - ابن أبي حاتم (1/ 246)] قال الشافعي: «لو حابينا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء» [آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص61)] وقال الذهبي: «مراسيل الزهري ضعيفة». [تنقيح التحقيق - الذهبي (2/ 266)] وقال: «مِن أوهى المراسيل عندهم: مراسيلُ الحَسَن. وأوهى من ذلك: مراسيلُ الزهري». [الموقظة (ص40 ت أبي غدة)] وقال ابن رجب: «فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه من اضعف المراسيل». [فتح الباري لابن رجب (3/ 207)] وبيَّن يحيى ابن سعيد علَّة وهاء هذه المراسيل بقوله: «مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمِّي سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه». [المدخل إلى السنن الكبرى - البيهقي - ت عوامة (1/ 396)]إشكالات
إذا قيل: مما يؤيد شبهتهم:فهل عائشة كانت تفتي برضاع الكبير؟
لا شكَّ أنَّ الآثار جاءت بذلك، ولكن الأثر الفائت في رضاعة سالم يعارض قولها برضاع الكبير، فقد كانت تحب أن يدخل عليها، فلمَّا لم يستتم رضاعته صغيرًا لم تأمر برضاعته كبيرًا. أضف إلى ذلك أنَّها هي من روى حديث «يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ». [رواه البخاري ومسلم] وهو الحديث الذي يستدل به عامة أهل العلم على بطلان رضاع الكبير. فلا يُعقل أن عائشة ترويه وتعمل به ثم تكون فتواها بخلافه. إلا أن تكون رأت رأيًا فرجعت عنه، أو فُهِم عنها الفتوى غلطًا. قال ابن المنذر: «وَلارضاع بعد الحولين ... لقول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «إنما الرضاعة من المجاعة» .». [الإقناع لابن المنذر (1/ 308)] قال القدوري الحنفي: «والرضاع الموجب للتحريم ما كان في الصِّغَرِ، فأما رضاع الكبير فلا يتعلق به التحريم والدليل على ذلك قوله عليه السلام: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، وقال عليه السلام: "الرضاع من المجاعة"». [شرح مختصر الكرخي (4/ 192)] وقال أحمد الشنقيطي المالكي: «قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنَ الْمَجَاعَةِ". أي الرضاعة التىِ تثبت بها الحرمة ما يكون في الصغر». [مواهب الجليل من أدلة خليل (3/ 228)] وقال الماوردي الشافعي: «الرضاع في الشرع مقدرا بحولين ... روي عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الرضاعة من المجاعة». [الحاوي الكبير (11/ 367)] وقال ابن قدامة الحنبلي: «فجعل تمامَ الرَّضاعةِ حَوْلَيْنِ، فيَدُلُّ على أنَّه لا حُكْمَ لها بعدَهما. وعن عائشةَ... قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فَإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجاعَةِ". مُتَّفَقٌ عليه». [المغني لابن قدامة (11/ 320)]والله أعلم