١. ما معنى الخلافة؟

الخلافة هي النيابة عن رسول الله ﷺ بعد وفاته في إدارة شؤون المسلمين والحكم فيهم؛ أي القيام مقامه في شؤون الحكم وتدبير مصالح المسلمين، لا في النبوة ولا في التشريع.

٢. هل حدّد النبي ﷺ طريقة واحدة لتنصيب الخليفة؟

لم يحدّد النبي ﷺ طريقة واحدة لازمة لتنصيب الخليفة. وقد ورد عنه ﷺ في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر»؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا يدل على منزلتهما وما يكون لهما من شأن بعده، لكنه لا يعيّن طريقة تنصيب الخليفة.

وورد في مرض النبي ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد… ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون». رواه البخاري. وفيه إشارة إلى اجتماع المؤمنين على أبي بكر، لا إلى فرض طريقة واحدة للاختيار.

وقد تعددت طريقة تولي الخلفاء الراشدين:

  • اختار عدد من الصحابة أبا بكر رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، ثم بايعه عامة المسلمين.
  • عهد أبو بكر رضي الله عنه بالخلافة إلى عمر بعد مشاورة، ثم بايعه المسلمون.
  • جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى في ستة من العشرة المبشرين بالجنة، ثم انتهى الاختيار إلى عثمان رضي الله عنه بعد مشاورة عبد الرحمن بن عوف وأخذ البيعة.
  • وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه، أقبل أهل المدينة وجمهور من حضر على بيعة علي رضي الله عنه.

وهذا يبين أن صور الاختيار قد تتعدد، مع اعتبار الشورى والبيعة ورضا المسلمين. وقد ذكر عمر رضي الله عنه أن أبا بكر استخلف، وأن رسول الله ﷺ ترك الأمر ولم يستخلف خليفة بعينه.

٣. ما المقصود بالخلافة في الاصطلاح؟

المقصود في هذا الباب بالخلافة منصب الإمامة العامة للمسلمين، أي ولاية إدارة شؤونهم والحكم فيهم. وقد أُطلق لقب الخليفة في عصور لاحقة على ملوك، كملوك بني أمية والعباسيين وغيرهم؛ لكن إطلاق اللقب لا يعني وحده أن طريقة تولي الحكم وإدارته كانت على طريقة الخلافة الراشدة.

٤. هل ينفرد الخليفة أو الحاكم بكل قرارات الدولة؟

لا يستغني الحاكم عن الشورى وأهل الاختصاص، ولا يُتوقع منه أن يحيط وحده بكل شؤون الدولة. فمدير الشركة يحتاج إلى أعوان من اختصاصات متنوعة؛ فكيف بشؤون الحكم، وهي أوسع وأشد تعقيدًا؟

٥. ما أدلة الشورى، وما أمثلتها من عمل النبي ﷺ والخلفاء؟

قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وشاور النبي ﷺ أصحابه في بدر.

ومن أمثلة عمل الخلفاء أن أبا بكر رضي الله عنه أخذ برأي عمر في جمع القرآن بعد مقتل عدد من القراء في اليمامة، ثم كلّف زيد بن ثابت بجمعه. وفي قتال مانعي الزكاة ناقشه عمر في الأمر، وبيّن أبو بكر رأيه، ثم قال عمر إنه عرف أن قرار أبي بكر هو الحق. وكان عمر يجمع أهل الرأي ويستشيرهم في شؤون المسلمين، ومن ذلك مشاورته في أمر وباء الشام.

٦. هل يمكن تفويض بعض شؤون الدولة إلى مجالس أو وزارات مختصة؟

نعم، يمكن أن تُسند بعض المسؤوليات إلى جهات متخصصة. فمن ذلك:

  • وزارة أو لجنة للصحة تدرس شؤون المستشفيات وإدارتها.
  • جهة مختصة بالتعليم تدرس المناهج الدراسية.
  • لجان للجودة تدرس معايير المنتجات وصلاحيتها.
  • جهات متخصصة في التجارة والنقل وسائر شؤون الدولة.

وتُحدّد صلاحيات هذه الجهات، وما يُفوَّض إليها من قرارات، وما يحتاج منها إلى الرجوع للحاكم. وقد تبقى قرارات عليا، كقرار الحرب والسلم، مما لا يمرّ إلا بموافقة الحاكم أو يصدر عنه بعد دراسة أهل الاختصاص.

٧. هل يمكن أن توجد برلمانات أو مجالس في نظام الحكم الإسلامي؟

إذا كان المقصود بالبرلمان أناسًا يوصلون مطالب الناس وشكاواهم، فهذا أمر مشروع من حيث الأصل. وإذا كان المقصود به جهة تراقب مؤسسات الدولة وتتابع أداءها، فهذا مشروع كذلك.

لكن ينبغي تطوير فكرة البرلمانات لتراعي التخصص: فلا يُترك القرار الفني في الصحة لمن لا يعرف شؤونها، ولا تُترك المسائل الاقتصادية لمن لا خبرة له بها، فضلًا عن أن يضع المجلس أحكامًا من عنده تخالف الدين. يكون للناس تمثيل يوصل مطالبهم، وتُعرض القرارات الفنية على أهل اختصاصها، وتُضبط التشريعات بالشرع.

٨. كيف يمكن تطوير نظام الانتخاب ليكون عادلًا وصحيحًا؟

يمكن تطوير نظام الانتخاب بأن يكون على دوائر ضيقة وواسعة، ويبدأ الاختيار في الدائرة الأضيق، ثم يتسع شيئًا فشيئًا. ففي المجال الصحي، يختار الأطباء في القسم رئيس القسم؛ ثم يختار رؤساء الاختصاصات مدير المستشفى؛ ثم يختار مديرو المستشفيات مدير الشؤون الصحية في المدينة؛ ثم يختار مسؤولو الشؤون الصحية في المدن وزير الصحة.

بهذه الطريقة يختار كل شخص من يعرفه عن قرب، ويكون الاختيار مبنيًا على معرفة شخصية بالكفاءة والخبرة، لا على مجرد إعلانات انتخابية وبرامج لم تُختبر. ويمكن تطبيق هذا الأسلوب في اختيار الهيئة الرقابية والبرلمانات والوزارات. كما يتيح تصدير وجوه جديدة بناءً على كفاءتها، بدل أن تنحصر الخيارات في دائرة ضيقة يعرفها الحاكم وقد لا تتجاوزها، أو تدخل الوساطة في الاختيار.

٩. ما مشروعية الانتخابات؟

الانتخاب في أصله هو الاختيار بين مجموعة من الأشياء أو الأشخاص. والاختيار في الدين جائز إذا كان المختار أمرًا جائزًا. فإذا أوكل الحاكم إلى دائرة ضيقة من الناس أن تختار من تراه أهلًا للترؤس عليهم، أو الأكفأ في إدارة شؤونهم، فهذا أمر حسن. ولا يلغي ذلك أن تكون للحاكم سلطة تعيين من يراه كفؤًا.

فمبدأ الانتخاب، بمعنى الاختيار، لا يتعارض مع الدين في شيء من حيث هو اختيار؛ وإنما يكون المنع إذا كان الشيء المنتخب أو المختار نفسه مخالفًا للدين، أو عُرض على الناس أن يختاروا ما يخالف دينهم.

١٠. ما أهمية وجود هيئة رقابية؟

تظهر أهمية الهيئة الرقابية في أنها تراجع قرارات الحاكم وتردعه عن القرارات التي تضر بالمصلحة العامة، وتمنع أن ينفرد بالسلطة من غير من يحاسبه. وقد كان من أسباب سقوط الدولة الأموية أخطاء بعض الحكام في القرارات المصيرية، ولا سيما ما وقع في أمر ولاية العهد، مع غياب جهة تردعهم أو تمنعهم من اتخاذ ما يضر بمصلحة الدولة والمسلمين. وتذكر المصادر ما وقع في أواخر الدولة الأموية من النزاع على ولاية العهد، ثم مقتل الوليد بن يزيد، وما أعقبه من فتنة وحرب أهلية وانقسام أضعف الدولة حتى سقطت.

وكذلك الدولة العباسية وغيرها من الدول؛ فقد أسهم سوء تدبير بعض الحكام، واستئثار أصحاب النفوذ بالموارد، وضعف المحاسبة، في إضعاف الدولة وتفككها. والمقصود من هذه الأمثلة أن وجود هيئة رقابية مستقلة قد يمنع بعض القرارات الضارة، أو يحد من آثارها، ويحفظ المصلحة العامة.

١١. ما الأدلة الشرعية التي يُستأنس بها لعمل الهيئة الرقابية؟

قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» رواه مسلم.

فإذا أنشأنا مؤسسة وأعطيناها صلاحية تغيير المنكر، واشترطنا أن يكون القائمون عليها من أهل العلم والخبرة، ومؤهلين للقيام بذلك، كان هذا نوعًا من العمل بهذا الحديث. ويُستأنس كذلك بقصة داود وسليمان عليهما السلام؛ قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨–٧٩].

ولكي تؤدي الهيئة عملها، ينبغي أن تكون مستقلة عن الحاكم، وأن يكون أعضاؤها من أهل العلم والأمانة والخبرة، وأن تكون لها صلاحيات محددة، وألا يُعزل أعضاؤها أو يُعاقبوا لمجرد قيامهم بواجب الرقابة، مع محاسبتهم وفق العدل إذا ثبت عليهم ما يوجب ذلك.

١٢. هل يجوز الاستفادة من تجارب غير المسلمين في الحكم والإدارة؟

نعم، يجوز الاستفادة من تجارب غير المسلمين إذا كان فيها نفع ولم تتضمن أمرًا محرمًا. فقد ذكر النبي ﷺ الغِيلة، وهي أن يجامع الرجل امرأته وهي مُرضع، وقال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم» رواه مسلم؛ فاستفاد من معرفة ما يجري عندهم في هذه المسألة، وترك النهي عنها.

ومن ذلك حفر الخندق؛ فقد أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه على النبي ﷺ بحفره، وكانت هذه طريقة معروفة عند الفرس. ومنها اتخاذ الخاتم لختم الرسائل، لما قيل للنبي ﷺ إن الملوك لا يقرؤون كتابًا غير مختوم. وكذلك استفاد عمر رضي الله عنه من نظام الدواوين في إدارة شؤون الدولة، وكان معروفًا عند الفرس.

فهذه أمثلة على الانتفاع بتجارب غير المسلمين في أمور الحكم والإدارة. فإذا كانت الوسيلة نافعة وليس فيها محظور شرعي، فالأصل جواز الاستفادة منها.

١٣. إذا كانت الدول متفرقة ولا يمكنها الاجتماع على خليفة واحد، فما الحل؟

الإسلام دائمًا يحث على الاجتماع ويكره التفرق؛ قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وفي العصر الحديث توجد دول متفرقة، وقد لا يمكنها أن تجتمع على خليفة واحد. فما الحل؟

فهم الأوروبيون أهمية الاجتماع، فأنشؤوا الاتحاد الأوروبي، وفهم الأمريكيون ذلك فأنشؤوا الولايات المتحدة، بعد أن كانت كل ولاية مستقلة عن الأخرى. فإذا لم يستطع الحكام أن يجتمعوا على رجل واحد، فأقل ما يمكن أن يفعلوه أن يجتمعوا على نظام اتحادي ينظمون به أنفسهم، ويحققون به التعاون والمصالح المشتركة.

فإن لم يستطع الحكام أن يجتمعوا على رجل واحد، فأقل ما هناك أن يجتمعوا على نظام اتحادي ينظمون به أنفسهم.

١٤. كيف يُضمن استقلال القضاء ونزاهته عن الحاكم والولاة؟

يُضمن ذلك أولًا بوضع شروط ومؤهلات واضحة للقاضي، تشمل صفاته الخُلُقية والعلمية، ولا يجوز تجاوزها أو إسقاطها حتى بأمر الحاكم. ويُشترط أن يكون القاضي مؤهلًا للقضاء، ملتزمًا بمرجعية شرعية وقضائية معلومة، وأن يحكم بالحق لا بحسب مكانة الخصوم أو رغبة أصحاب السلطة.

وثانيًا، تُراجع الأحكام تلقائيًا من قاضٍ آخر مستقل، من غير أن يعرف هوية القاضي الذي أصدر الحكم، وبحجب أسماء أطراف القضية عنه ما أمكن؛ لينظر في القضية والحكم، ويتأكد من سلامة الاستدلال وصحة الحكم. وهذه شبيهة بفكرة محكمة النقض، لكنها تكون مراجعة تلقائية لا تتوقف على طلب الخصوم.

وثالثًا، يمكن أن يحضر جلسات القضاء مراقب مستقل من خارج البيئة القريبة للقضية، فيتابع سير الجلسة، وينظر في طريقة سماع الشهود والتعامل مع الخصوم، ويتحقق من سلامة الإجراءات وحيادها.

ويمكن كذلك أن تطّلع الهيئات الرقابية العامة، كالجهات الرقابية في الدولة أو المجلس النيابي، على ملفات القضايا وسير العمل القضائي، لمراقبة سلامة الإجراءات وأداء مؤسسات القضاء، من غير أن تفرض على القاضي حكمًا معينًا.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال النبي ﷺ: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع…» متفق عليه؛ ففيه أن الحكم يكون بحسب الحجة والحق، لا بحسب مكانة الخصم.

١٥. ما حكم وضع الضرائب؟

الأصل أن الضرائب محرَّمة؛ لأن فيها أخذًا لأموال الناس بغير حق. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].

لكن إذا اضطرت الدولة إلى جمع مالٍ من الناس لحاجةٍ معلومة، كحالة طارئة أو لسد عجزٍ معيّن، جاز ذلك بقدر الحاجة وبالعدل، من باب التكافل والتعاون على المصلحة العامة. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].

وقال النبي ﷺ في الأشعريين: «إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم» متفق عليه. وهذا شاهد على المواساة عند الحاجة، لا على فرض الضرائب بذاته.


مراجع الأدلة والأخبار

  • القرآن الكريم: آل عمران ١٥٩ و١٠٤؛ الشورى ٣٨؛ النساء ٢٩؛ المائدة ٢؛ الأنبياء ٧٨–٧٩.
  • صحيح البخاري: الأحاديث ٤٩٨٦، ١٣٩٩–١٤٠٠، ٧٢١٧–٧٢١٩، ٥٨٧٥، ٦٨٣٠.
  • جامع الترمذي: الحديث ٣٦٦٢.
  • صحيح مسلم: الأحاديث ٤٩ و١٤٤٢ و٢٥٠٠.
  • السيرة النبوية لابن هشام: خبر سلمان الفارسي وإشارته بحفر الخندق؛ أورده ابن هشام بصيغة «ويقال».
  • الماوردي، الأحكام السلطانية: ذكر الدواوين وعمل عمر رضي الله عنه.
  • Andrew Marsham, The Umayyad Empire, chapter 9, “The Collapse of Umayyad Power”, Cambridge University Press.
  • Hugh Kennedy, The New Cambridge History of Islam, chapter “The Late Abbasid Pattern, 945–1050”.
  • Gerald R. Hawting, The First Dynasty of Islam: The Umayyad Caliphate AD 661–750, فصل سقوط المروانيين؛ وAndrew Marsham, The Umayyad Empire, فصل انهيار القوة الأموية.

روابط للمصادر