1. (حَمْدًا) أي أحمَدُ الله حمدًا، ومعنى الحمد الثَّناء (لِمَنْ) أي للذي (شَرَّفَ) أي عظَّمَ بمَنح المكانة العالية (رُوحَ الْحَقِّ) وهو محمد ﷺ، سمَّاه بذلك المسيح ﷺ.[1] والمعنى أنَّه روح الله، وروُح الله رحمته.[2] قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (بِحُسْنِ) بجمال (خُلْقِهِ) أي: طِباعِه (وَحُسْنِ الْخَلْقِ) أي الشكل والهيئة، فقد كمَّله الله تعالى ظاهرًا وباطنًا.
2. (صَلَّى عَلَيْهِ) أي: زكَّاه (بَارِئُ الْبَرَايَا) خالق الخلق (مَنْ) أي: الذي (خَصَّهُ) فضَّلَه (بِأَفْضَلِ الْمَزَايَا) «والمزيّة: تمامٌ وكمالٌ في كلِّ شيء».[3]
3. (هَذَا) كلمة انتقال، كأنَّه يقول: هذا الأمر الأول، أما الثاني: (وَلَمَّا) أي: حينما (فَاتَنَا مَرْأَى النَّبِي) ضاع علينا أن نراه في اليقظة (وَكَانَ) أمر رؤيته (أَسْنَى) أي: أعلى وأسمى(مَطْلَبٍ) أي: ما يطلبه الشخص (وَمَرْغَبِ) ما تشتاقه النفوس. قال ﷺ: «إن من أشد أمتي لي حبًا ناسًا يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله»[4] أي: مستعد لفَقدِ أهله وماله في سبيل رؤياي.
4. (وَكَانَ فِي نُعُوتِهِ) أي: صِفاتِه (الْبَهِيَّهْ) أي: التي تبهر الأسماع والقلوب (مَزِيَّةٌ) مر معنا أن «المزيّة: تمامٌ وكمالٌ في كلِّ شيء»[5] (أَعْظِمْ بِهَا مَزِيَّهْ) كقولنا: ما أعظَمَها.
5. (قَدْ دَوَّنَ) أي: كتب (الْحُفَّاظُ) أي: علماء الحديث (مِنْهَا جُمَلاَ) جمع جُملة، وهي المَجموعة (جَلِيلَةً) أي: عظيمة (تَكْسُو الدَّرَارِي خَجَلاَ) الدَّراري: جمع دُرِّيّ، وهو الكوكب المضيء، فصفاتُ النبي ﷺ لو سمعتها الكواكب الساطعةُ والنُّجوم التي يُضرًب لها المثال في الحُسن؛ لغطَّاها وعمَّها الخجل.
6. (جَمَعْتُهَا) أي: لمَّا ضاع منا أن نرى النبي ﷺ جمعتُ صفاته الواردة في كتب الأئمة، (كَالْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ) أي: هي كالأحجار الكريمة، فصِغتُها أنا كالقلادة مِن خلال هذا النَّظم، أي: القصيدة (بِرَسْمِ) أي: من أجل (خِدْمَةِ الْجَنَابِ الاَعْظَمِ) جناب الشيء ما أحاط به، ويكنّى به عن الشيء نفسه تعظيمًا، وهو يقصد بهذا خدمة النبي العظيم قدرًا ﷺ.
7. (فِي رَجَزٍ) أي: قصيدة على بحر الرَّجَز (سَمَّيْتُهُ جُهْدَ الْمُقِلْ) لعلَّه أخذ الاسم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «جُهدُ المُقِلِّ» والمراد بالحديث ما ينفقه المُقِل، أي: الفقير، ويبذل فيه وسعه، فهذا مِن أفضَل الصَّدَقة، فكأنَّ النَّظِم اعتبر نفسه فقير القدرة والعلمِ توضُعًا، وقال إنَّه سيبذل ما بوسعه. وكُلُّنَا مُقِلٌّ والله يغفِرُ لنا. (وَصُنْتُهُ) أي: حميت هذا النَّظم (عَمَّا يُخِلُّ) بالمعاني (أَوْ يُمِلْ) أي: يسبب الضَّجَرَ لأجل الطول أو التكرار.
8. (فَقُلْتُ نَاقِلاً عَنِ الْحُفَّاظِ) أي: نقلًا عن حفَّاظ الحديث أقول ما يلي (مُحَافِظًا جُهْدِي عَلَى الأَلْفَاظِ) أي: باذلًا جهدي للحفاظ على ألفاظهم أن أجيء بها كما هي.
9. (قَدْ كَانَ أَحْسَنَ) أي: أجمل (الْوَرَى) أي: الخَلق جميعًا، وقد يراد بها البشر. (وَأَكْمَلَ) أي: أكمل الناس خِلقَةً وخُلُقًا (وَكَانَ أَبْهَى) البهاء هو الجمال الخاطف للأنظار (صُورَةً) أي: هيئة (وَأَجْمَلَ) أي: أكمل الناس.
10. (وَكَانَ فَخْمًا) أي: عظيم الجسم أو القَدر، وكلاهما ينطبقان عليه (بَادِنًا) أي: ممتلئ الجسم (مُفَخَّمَا) أي: مُعَظَّمًا (وَكَانَ ضَرْبَ اللَّحْمِ) «الضرب من الرجال الخفيف»[6] ولا تعارض بين هذا وبين أنه بادِن، لأن بدانته ليست السِّمَن المفرط (لاَ مُطَهَّمَا) المُطَهَّم: «الْقَلِيل لحم الْوَجْه»[7] وقيل تأتي المطهم على معنيين متعاكسين: «السَّمينُ الفاحِشُ السِمَنِ، والنَّحيفُ الجِسمِ الدَّقيقُهُ».[8]
11. (وَلاَ مُكَلْثَمًا) أي: قصير الوجه (عَظِيمَ الْهَامَهْ) أي: كبير الرأس، وكلمة "عظيم" منصوبة لأنها خبر كان؛ كان عظيم الهامة. (رَبْعَةَ قَدٍ) القَدُّ: القَوَام، والرَّبعَة والمربوع: هو متوسِّطُ الطُّول (فِي اِعْتِدَالِ الْقَامَهْ) القامَة: الطول.
12. (لاَ بَائِنًا) أي: ليس طوله مُفرِطًا يلفت النظر (مُشَذَّبًا) المُشَذَّب: الطَّويل النَّحيل كغصن الشَّجَرة (مُمَغَّطَا) بمعنى المشذَّب (وَلاَ قَصِيرًا مُتَرَدِّدَ الْخُطَى) أي خطاه متقاربة بسبب قِصَرِه. فطوله معتدل ﷺ.
13. (وَمَعَ ذَا يَطُولُ مَنْ مَاشَاهُ) أي: حين يمشي مع الناس لا يظهر أحد أطوَلَ منه بل يزيد طول النبي ﷺ على غيره. (إِذْ لَيْسَ يَعْلُوهُ الْوَرَى حَاشَاهُ)
14. (وَكَانَ أَزْهَرَ) الزاهِرُ: المستنير، والأزهر من الرجال: ذو البياض المشرق غير الباهت (وَكَانَ أَنْوَرَا) أي: «أنور المُتَجَرَّدِ، والمتجرد: مَا جُرِّدَ عَنهُ الثَّوْبُ من بدنه... وأنور من النُّور، يُرِيد شدَّة بياضه»[9] (أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِلَوْنٍ أَحْمَرَا) أي: بياضه يميل للحمار.
15. (لَيْسَ بِأَمْهَقَ) أي: ليس بياضه باهت كلون الجُصِّ (وَلاَ بِآدَمِ) والآدم الأسمر (بِوَجْهِهِ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الْجَيْلَمِ) أي: القمر.
16. (وَجْهٌ كَمَا شِئْتَ مِنِ اسْتِدَارَتِهْ) أي: هو مستدير، وقوله «كَمَا شِئْتَ» إما على تقدير: بالِغ في وصفِه كما شئت فهو أجمل مِن وَصفِك، أو يريد: كما تُحِبُّ وكما يعجِبك (يَطَّرِدُ) أي: يتتابَع (الْجَمَالُ فِي أَسِرَّتِهْ) الأسِرَّة والأسارير: جمع: سُرّ، وهي خطوط الجبهة.
17. (يَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ مَاءُ الذَّهَبِ) أي: لِشِدَّة جمال وجهه، كأنه مطليٌّ بماء الذَّهَب (عَرَقُهُ كَلُؤْلُؤٍ مُلْتَهِبِ) أي: إنَّ عرقَه نقيٌّ صافٍ كاللؤلؤ متوهِّج لامع. وكان عرقه ﷺ ذا رائحة طيِّبة كرائحة المِسك.
18. (يَقُولُ مَنْ يَنْعَتُهُ) أي: يصِفُه، واستخدام "ينعت" أولى مِن "يصف" لأن النَّعت يأتي غالبًا للمَدح[10] (فِي الْجُمْلَهْ) أي: عند نعتِه نعتًا عامًّا (لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَبَعْدُ مِثْلَهْ)
19. (يَهَابُهُ) الهَيبَة: نوع من الخوف يتولَّد عن عظَمةِ الشَّيء لا عن أذى يخشى منه (بَدِيهَةً مَنَ ابْصَرَهْ) أي: مَن رآه فجأة، فإنَّه يهابه (يُحِبُّهُ الْخَلِيطُ مَهْمَى اخْتَبَرَهْ) أي: كلَّما جرَّبَه.
20. (يُزْرِي) أي: يُهَوِّنُ (بَهَاءُ وَجْهِهِ الْحُسَّانِ بِالْبَدْرِ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانِ) أي: الضَّحياء، وهي التي لا غيم فيها يمنع نور القَمَر.
21. (بَلْ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً فَطِبْتَ عَنْهَا نَفْسَا) أي: انصرفت نفسك عن الشمس الأصلية بعد أن رأيت النبي ﷺ.
22. (وَكَانَ رَحْبَ رَاحَةٍ) أي: باطنُ كفِّهِ واسع (سَبْطَ الْعَصَبْ) أي: المفاصل، فلا يظهر في مفاصله نتوء بشع (فِي وَجْهِهِ عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبْ) أي: إذا غضب يمتلئ العِرقُ الذي في جبهته فيَبرُز.
23. (أَلْيَنُ مِنْ مَسِّ الْحَرِيرِ كَفُّهُ أَطْيَبُ مِنْ شَذَى الْغَوَالِي عَرْفُهُ) العَرف: الرائحة الطيبة.
24. (وَكَانَ أَدْعَجَ) سواد العين وبياضها خالِصان. (وَكَانَ أَنْجَلَ) واسع العَين (أَبْلَجَ) ليس بين حاجبيه شعر (أَهْدَبَ) رموش طويلة (أَزَجَّ) طويل الحاجبين (أَشْكَلَ) بمعنى أنجل.
25. (أَشْنَبَ) أسنان بيضاء برَّاقة (أَفْلَجَ) بين أسنانه فُرجَة (ضَلِيعَ الْفَمِّ) واسع الفم (يَفْتَرُّ عَنْ كَالْبَرَدِ الْمُنْهَمِّ) أي يتبسم عن أسنان كالثلج المتساقط.
26. (وَكَانَ بَرَّاقَ الثَّنَايَا مِنْهُمَا ... يَخْرُجُ كَالنُّورِ إِذَا تَكَلَّمَ)
27. (ضَحِكُهُ تَبَسُّمٌ وَرُبَّمَا أَبْدَى نَوَاجِذَ كَدُرٍّ نُظِّمَا) النواجذ هي آخر الأضراس أو الأنياب.
28. (كَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ فِيهِ صَحَلُ) أي بحة خفيفة تعطي جمالاً (وَنُطْقُهُ مُبَيَّنٌ مُفَصَّلُ) كلامه واضح يقف عند المعاني.
29. (وَكَانَ ذَا عَقِيقَةٍ إِنْ تَنْفَرِقْ ... فَرَّقَهَا يَتْرُكُهَا إِنْ تَتَّفِقْ)
30. (شَعَرُهُ مُغْدَوْدِنٌ) أي طويل ناعم (يُوَفِّرُهْ ... لِشَحْمَةِ الأُذْنِ وَطَوْرًا يَضْفِرُهْ) يجعل له جدائل أحياناً.
31. (وَكَانَ رَجْلاً غَيْرَ جَعْدٍ مُفْرِطِ بَلْ كَانَ بَيْنَ سَبَطٍ وَقَطَطِ) ناعم فيه تموج.
32. (لَمْ يَبْلُغِ الْعِشْرِينَ شَيْبُ لِحْيَتِهْ... وَرأْسِهِ وَكَانَ ذَا مِنْ حِلْيَتِهْ) أي لم يبلغ الشيب 20 شعرة.