شبهة أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة لم يكن معه أبو بكر الصديق

بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ، وَبَعْدُ:

يزعم بعض منكري السنة أن النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة لم يكن معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بل كان معه رجل كافر.

إن هذا المنكر للسنة، بإنكاره وجود أبي بكر الصديق مع النبي ﷺ في حادثة الهجرة المشهورة، لا ينكر فضيلةً تاريخيةً فحسب، بل ينكر نصاً قرآنياً صريحاً خلد فيه الله ذكر الصديق بوصف الصحبة في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾. فصاحب النبي ﷺ في الغار هو أبو بكر يقيناً، وسنفند شبهات المعترض التي بناها على جهله بقواعد اللغة العربية.

تفنيد مغالطة الترتيب في قوله تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾:

يتساءل المعترض بجهل: كيف يكون النبي ﷺ ثانياً؟ ويزعم أنه لو كان معه أبو بكر لكان النبي هو الأول.

هذا الاعتراض يكشف عن ضحالة فهمه لمبادئ العربية؛ فقولنا فلان هو ثاني اثنين يعني أنه أحد اثنين يجمعهما عدد مشترك، فكل واحد منهما يصح وصفه بأنه (ثاني اثنين) وهذا نظير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، أي أنه إله من جملة ثلاثة آلهة يزعمونها، وليس المراد بها الترتيب الرقمي الأول فالثاني، فإنهم ‘ذا تكلموا ذكروا الله أولا (بسم الآب والابن والروح القدس).

حقيقة دور عبد الله بن أريقط:

يدعي المعترض أن المقصود بـ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو عبد الله بن أريقط والأول النبي ﷺ. وعبد الله بن أريقط رجل كافر كان يدل النبي على الطريق.

العجيب أن هذه المعلومة مستقاة أصلاً من صحيح البخاري الذي يطعن فيه المعترض! فكيف يقبل خبراً من البخاري ليرد به الكتاب نفسه؟ إن هذا تناقض عقلي ظاهر. وبما أنك استقيت معلومة ابن أريقط من المصادر الإسلامية، فعليك أخذها كاملةً كما وردت لا كما توهمتها.

عبد الله بن أريقط كان هادياً خريتاً (خبيراً بالطرق) استأجره النبي ﷺ وأبو بكر ليدلهما على طريق غير معهود إلى المدينة.

وبحسب صحيح البخاري في الحديث رقم 2144، فإن النبي ﷺ وصاحبه واعدا ابن أريقط عند غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، فلم يكن معهما داخل الغار إطلاقاً. فقد مكث النبي ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام حتى يئست قريش من إيجادهما، ثم جاءهما ابن أريقط بالرواحل. فابن أريقط لم يُخرج مع النبي ﷺ من مكة من أول يوم، ولم يكن معه في الغار، بل وافاهما بعد ذلك.

إذن، المصادر التي تعتمد عليها تؤكد أن ابن أريقط لم يدخل الغار، بل جاء بالدواب صبيحة الليلة الثالثة، وكان معهم في الرحلة أيضاً عامر بن فهيرة.

مفهوم الصاحب والحزن في السياق القرآني:

يسخر المعترض من لفظ ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ محاولاً تغيير معناها الشرعي مستدلًّا بقوله تعالى للكفار ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.

الجواب: إن لفظ الصاحب له دلالتان:

الأولى: لغوية تعني المجاوِر أو المخالط أياً كان حاله.

الثانية: شرعية خاصة تُطلق على من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.

واستخدام القرآن للفظ ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ في الغار هو تشريف وتزكية للصديق.

 

زعم المعترض أن الكافر هو من يحزن خوفًا أن يقبض على النبي ويضيع عليه المال، وأن المؤمن لا يحزن بل يخاف.

هذا تقسيم عابث. فالخوف والحزن مشاعر إنسانية تنتاب المرء في مواقف الخطر، وسواء كان المرافق مؤمنًا أو كافرًا فإنه سيشعر بالقلق من كشف أمرهما. وقد طمأن النبي ﷺ أبا بكر بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

إنزال السكينة وعودة الضمائر:

يزعم المعترض أن قوله تعالى ﴿فأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ يعود على النبي ﷺ وحده، ولو كان معه أبو بكر لقال (عليهما).

الرد من وجهين:

الأول أن النبي ﷺ كان ساكناً بطبعه وبتأييد الله له، بينما كان أبو بكر هو القلق المشفق، فالسكينة تنزل على من يحتاج إليها لتثبيته.

الثاني: لابد من فهم قاعدة انفكاك الضمائر في اللغة العربية عند أمن اللبس.

﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ على أبي بكر ﴿وأيَّده﴾ أيد محمَّدًا﴿بجنود لم تروها﴾

وقد ورد في القرآن الكريم عودة الضمائر المتتالية إلى مذكورات مختلفة إذا فُهم المعنى، كما في قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾. فالضمير في (اقذفيه) يعود لموسى، وفي (فليلقه) يعود للتابوت، وفي (يأخذه) يعود لموسى.

وكذلك في سورة الفتح: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾، فالتعزير والتوقير للرسول ﷺ والتسبيح لله سبحانه.

وبناءً عليه، فإن السكينة نزلت على أبي بكر لتثبيته، والتأييد بالجنود كان للنبي ﷺ، وهذا إعجاز لغوي لا يدركه الجاهلون بلسان العرب.

شبهة الجنود المرئية وغير المرئية:

يستدل المعترض بقوله تعالى ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ لينفي قصة أن العنكبوت نسج شبكا والحمامة بنت عشًّا على باب الغار، وقال هذان يُريان، والله قال: لم تروها.

أولا: الحمامة والعنكبوت ليسا في البخاري، ومختلف في صحتهما، والحمامة أضعف.

ثانيًا: إن هذا الفهم السقيم مقتبس من القرضاوي، والرد عليه: إن نفي رؤية بعض الجنود لا يستلزم نفي وجود جنود أخرى مرئية.

فإذا أخبرتُك أني استعنت بقوة خفية، فهذا لا ينفي استعانتي بقرائن ظاهرة.

ثالثًا: العنكبوت يبني عشه ويختبئ، فلا يُرى، وهذا يوهم أن العش قديم، ولو رأوه إبَّان النسج لعلموا أنَّ العشَّ جديد.

 

فرية هجرة أبي بكر قبل النبي ﷺ:

يدعي المعترض أن أبا بكر هاجر قبل النبي ﷺ خوفاً على بناته من الاغتصاب!

وهذا جهل مطبق بطبائع العرب وقريش؛ فقد كانوا يترفعون عن الاعتداء على النساء بجريرة الرجال.

ما أن لأبي بكر قبيلةً تحمي أهله في مكة.

ثم يستدل بحديث إمامة سالم مولى أبي حذيفة للمهاجرين في قباء، زاعماً أن أبا بكر كان معهم قبل وصول النبي ﷺ.

والحديث في البخاري رقم 6754 لا يذكر توقيتاً يثبت أن ذلك كان قبل هجرة النبي ﷺ وصاحبه، بل هو إقحام لمعلومات مغلوطة من عند المعترض.

حول رواية مسند أحمد:

حاول المعترض التشكيك من خلال رواية في مسند أحمد، يقول الراوي فيها:

«وشرى علي نفسه؛ لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر، وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله». [مسند أحمد (5/ 180 ط الرسالة)]

وظنها حجةً له.

والواقع أن الرواية نفسها تكمل بأن أبا بكر انطلق خلف النبي ﷺ ولحق به ودخل معه الغار!

«قال: وشرى علي نفسه؛ لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر، وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، قال: فقال: يا نبي الله. قال: فقال له علي: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد ‌انطلق ‌نحو ‌بئر ‌ميمون، ‌فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار». [مسند أحمد (5/ 180 ط الرسالة)]

فهي حجة عليه لا له، رغم ضعف إسنادها بهذا السياق عند التحقيق.

 

خلاصة القول أن هذه الاعتراضات ناتجة عن عدم فقه لغة العرب، والتخبط في قراءة الأحاديث النبوية. نسأل الله أن يبصر الناس بالحق، وأن يعيذنا من ضلالات المضلين.

 

 

(Visited 43 times, 4 visits today)
Scroll to Top