شبهة: أبو بكر ليس ثاني اثنين في الغار والبخاري

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

يزعم البعض وجود غلطة خطيرة في صحيح البخاري، يدَّعون أن أحداً لم يكتشفها طوال 1200 سنة حتى جاء من يظن نفسه ذكياً ليكتشفها! وسنرى معاً قوة هذا الاكتشاف المزعوم.

يقول هذا المدعي: إن البخاري كتب من عنده أن الرسول ﷺ قال لأبي بكر رضي الله عنه: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. ثم يتساءل: هل أصدق القرآن الكريم الذي يقول إن النبي قال: لا تحزن إن الله معنا؟

عندما يكون فهم الإنسان قاصراً؛ قد تتعارض عنده الأمور. فكلمة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قالها الرسول ﷺ، وقد ذكر البخاري متى قالها في الحديث رقم 3419.

بيان الحديث من صحيح البخاري:

كان أبو بكر رضي الله عنه يحكي قصة خروجهما من مكة، يقول: رفعت لنا صخرة… إلى أن قال: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتِ الشَّمْسُ، ‌وَاتَّبَعَنَا ‌سُرَاقَةُ ‌بْنُ ‌مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ (يعني سراقة عرفنا وسيخبر قريشاً وسيلحقون بنا).
فقال النبي ﷺ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا.

وذكر قصة سراقة بن مالك الطويلة.

فإذاً، قول النبي ﷺ لأبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كان في هذا الموضع عند ملاحقة سراقة لهما.

فإذا قال قائل: فمن المفترض أن النبي ﷺ قالها في الغار؟

نقول له: اقرأ الآيات وتدبرها:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

قاعدة لغوية في السياق القرآني:

كلمة إِذْ في القرآن الكريم تاتي في سياق الفصل بين حادثتين أو أكثر ضمن القصة الواحدة.

انظر مثلاً في الصفحة الثامنة من المصحف في سورة البقرة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وفي الآية التي بعدها قال: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾. مع أن النجاة تحققت بعد أن عبروا البحر، لكنه ذكر النجاة أولاً ثم عطف عليها بذكر تفاصيل الحادثة بكلمة إِذْ، ثم قال بعدها: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾.

وكذلك في أواخر سورة المائدة، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، ثم في الآية التي بعدها قال: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. وبعدها بآية قال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فقد فُصل بين هذه الحوادث بكلمة إِذْ.

الخلاصة:

النبي ﷺ في سياق قصة واحدة، قال لأبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ في موضع ملاحقة سراقة لهما، ولما كانا في الغار قال له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فينزل الله سكينته عليه، أي على أبي بكر رضي الله عنه.

فلا توجد مشكلة في القرآن ولا في الحديث، إلا أن المشكلة تكمن في العقول وفي قصور الفهم.

 

(Visited 20 times, 1 visits today)
Scroll to Top