مقارنة: “شرح مشكل الآثار” مع “شرح معاني الآثار” للطحاوي

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

كتب الطحاوي كتابين مهمَّين في الحديث النَّبَوي شرح معاني الآثار و شرح مشكل الآثار. وبالرغم من اشتراكهما في مادة تفسير الحديث، إلا أن المنهجية مختلفة جذريًّا؛ فالمعاني موجه لخدمة الفقه وبناء الأحكام، بينما المشكل هدفه بيان ما أشكل على العقول من الحديث مما يوهم ظاهره الاختلاف، عمومًا.

سبب تأليف معاني الآثار

قال الطحاوي: «أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضا». [شرح معاني الآثار (1/ 108)]

وهذا الباب الذي يسمى مختلف الحديث. إلا أنه في واقعه جامع بين مختلف الحديث والفقه المقارن.

تنبيهٌ: مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث فالمشكل هو الحديث الذي يظهر منه إشكال، إما بنفسه، أو لتعارض ظاهري بينه وبين غيره، أما المختلف فما فيه تعارض ظاهري بين نصين.

منهجه في معاني الآثار

  • 1. يروي الأحاديث بإسناده.
  • 2. يذكر أقوال الفقهاء فيها.
  • 3. يناقش أقوالهم وينتصر لمذهبه.

وبسبب انتصاره للمذهب تكلم فيه بعض المخالفين له

فقال البيهقي: (بعث إلي بعض إخواني من أهل العلم بالحديث بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صححه لأجل رأيه، وكم من حديث صحيح ضعفه لأجل رأيه، وقال – عقب رده لكلام الطحاوي في حديث مس الذكر: أردت أن أبين خطأه في هذا وسكت عن كثير من أمثال ذلك، فبين أن الحديث لم يكن من صناعته، وإنما أخذ الكلمة بعد الكلمة من أهله ثم لم يحكمها.) [معرفة السنن والآثار 1/ 147]

وقال ابن تيمية: (والطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة ويكون أكثرها مجروحًا من جهة الإسناد، لا يثبت ولا يتعرض لذلك، فإنه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيها عالما) [منهاج السنة النبوية (8/ 196)]

سبب تأليف مشكل الآثار:

قال الطحاوي: «وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم … فَوَجَدْتُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِمَّا يَسْقُطُ مَعْرِفَتُهَا ، وَالْعِلْمُ بِمَا فِيهَا عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَمَالَ قَلْبِي إلَى تَأَمُّلِهَا وَتِبْيَانِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُشْكِلِهَا وَمِنِ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا وَمِنْ نَفْيِ الْإِحَالِاتِ عَنْهَا». [شرح مشكل الآثار (1/ 6)]

فالسبب هو الدفاع عن الأحاديث التي قد يستشكلها كثير من الناس.

منهجه في مشكل الآثار:

  1. يذكر النص النبوي أو الآية التي يدور حولها الاستشكال.
  2. يعرض الاعتراض الذي قد يورَد على الحديث.
  3. باستعراض الروايات المختلفة للحديث مع التمييز بين ما هو توقيف نبوي وما قيل بالرأي.
  4. بتقديم الحل العلمي الذي ينفي التضاد، سواء عبر بيان المعنى المشترك، وطرح المعنى الموهم للتعارض، أو النسخ، أو الترجيح.

مقارنة المشكل مع المعاني

وجه المقارنة شرح معاني الآثار شرح مشكل الآثار
الغرض الأساسي إثبات الأدلة الفقهية التي ظاهرها التعارض، ووجوه الاستدلال وترجيح قول الحنفية. دفع التعارض وإزالة الإيهام واللبس عن النصوص. سواء لتعارض ظاهري، أو بغير تعارض.
طريقة عرض المتون يسوق الأحاديث مرتبة على أبواب الفقه (طهارة، صلاة…إلخ). يسوق الأحاديث كقضايا علمية دون ترتيب محدد.
الموضوع فقهي. عام.

مثال مقارن:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾، فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، ثم نسخها الله عز وجل فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾

تعامُل الطحاوي معه في شرح معاني الآثار:

أورد الطحاوي الحديث في سياق استنباط الحكم المتعلق بتحديد أي الصلوات هي الصلاة الوسطى

  • انصر في ذيد لمذهبه (الحنفي) بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
  • طريقة الاستدلال: ساق الطحاوي حديث البراء ليستدل به على أن الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأن الآية كانت تنص صراحةً على صلاة العصر ثم نُسخ اللفظ وبقي المعنى، أو أن ذكر العصر كان تفسيرًا للوسطى. يقول الطحاوي بعد إيراد الحديث: فأخبر البراء بن عازب في هذا الحديث أن التلاوة الأولى هي ما روت عائشة وحفصة… وأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر
  • الخلاصة: استعمل الحديث كدليل فقهي للترجيح.

تعامل الطحاوي معه في شرح مشكل الآثار:

في هذا الكتاب، أورد الطحاوي نفس الحديث (وبنفس الإسناد تقريبًا عن شقيق بن عقبة عن البراء) في باب بيان مشكل قول الله عز وجل: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾، للتعامل مع الإشكال العقدي-الأصولي المتعلق بالنسخ في القرآن.

  • الهدف: حل إشكال: كيف يُروى قرآن بلفظ غير موجود في المصحف؟ وتوضيح أنواع النسخ في القرآن.
  • طريقة المعالجة: لم يركز هنا على أي صلاة هي الوسطى، بل ركز على قضية نسخ التلاوة. شرح الطحاوي أن هذا الحديث دليل على أن الله قد يُنزل آية قرآنيّة، ثم ينسخ تلاوتها (لفظها) من المصحف، مع بقاء حكمها أو تحويله إلى السُنة. يقول الطحاوي معقبًا على الحديث في المشكل: فوقفنا بذلك على أن: (وصلاة العصر) المذكور ذلك في أحاديث عائشة وحفصة… مما قد كان قرآنًا فنسخ، ورد إلى ما في مصاحفنا… فأخرج من القرآن وأعيد إلى السنة فصار منها.

 

(Visited 13 times, 12 visits today)
Scroll to Top