أدلة الوحي على كفر الجهميَّة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
إنَّ باب الكفر والإيمان يُعدُّ من الأصول العظمى والقواعد الكبرى في دين الله تعالى؛ لذا فلا يسوغ لأحدٍ أن يُدخل إنساناً في مسمَّى الملَّة أو يُخرجه منها إلا بسلطانٍ مُبين من الله تعالى، وبدلالة الوحي المعصوم لا بمحض الرَّأي والتشهي.
وتُعتبر هذه القاعدة من أحكم القواعد التي تستأصل شأفة الغلوِّ والتمييع، فلا قيام لهما بعدها؛ إذ الدِّين لله وحده، والأمر إليه سبحانه:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾
قال الإمام الدارمي رحمه الله:
«وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور وأثر مأثور وكفر مشهور»
وللتحايُل على هذه القاعدة الرصينة، يزعم الغُلاة أنَّ مَن يكفِّرونه قد خالف القرآن، وبناءً عليه يكفر بمجرد تلك المخالفة. وتحذيراً من هذا المسلك المائل، نضع التقييد الآتي:
هل كل مَن خالف القرآن يكفر؟
ليست كل مخالفة لنصوص القرآن مخرجة من الملة، فالمخالفة تنقسم إلى نوعين رئيسين:
أولاً: المخالفة في الأعمال
ولها نوعان:
1. مخالفة لشهوة أو جهل أو تقصير: فاعلها يقع في الخطأ أو العصيان أو الفسوق.
2. مخالفة عن اعتراض للخبر: يكفر الفاعل من جهة اعتراضه وجحوده.
ثانياً: المخالفة في الأخبار
ولها نوعان:
1. عدم فهم الخبر (الخطأ): لا تُدخل صاحبها في الكفر.
2. مخالفة مع فهم الخبر: يُعدُّ صاحبُها مُكذِّباً وجاحداً.
فما الدليل على كفر الجهميَّة؟
كفرت الجهمية لارتكابها مسألتين عظيمتين:
أولاً: القول بخلق القرآن
يستند الدليل على كفر مَن قال بخلق القرآن إلى أمرين محكمين:
الدليل الأول: دلالة الوعيد في سياق الاعتقاد:
﴿فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ 24 إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ 25 سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ 26﴾
توعَّد الله القائل بأن القرآن “قول البشر” بنار سقر؛
فإن قيل: إن الوعيد بالنار قد لا يكون دالًا على الكفر، كوعيد القاتل!
نقول: هذا الوعيد ترتب على “اعتقاد”، ولم يأتِ وعيدٌ بنار على اعتقاد غير كفري في نصوص الوحي.
الدليل الثاني: اعتقادهم بقرآنين متغايرين:
لقد دين المسلمين الذين يؤمنون بقرآن واحد منزل، وأثبتوا قرآنين، كما في نصوصهم:
1. قال التفتازاني:
«القرآن قد يطلق على هذا الكلام النفسي القديم، كما يطلق على النظم المتلو الحادث» [شرح العقائد النسفية – 1/42]
2. قال إبراهيم اللقاني:
«القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق» [تحفة المريد – 1/159]
3. قال العز بن عبد السلام:
«لفظَ القرآن يُطلق في الشرعِ واللسانِ على الوصف القديم، ويُطلق على القراءة الحادثة» [رسائل العز – 1/22]
ثانياً: إنكار الصِّفات
إنَّ من لم يدرك حقيقة مذهب الجهمية في الصفات قد لا يتبيَّن له حقيقة كفرهم.
من الإشكاليات الكبيرة أن من يتكلم عن الجهمية يصف قولهم بأنَّه تأويل. وهذا تجوُّز. الحقُّ أنَّهم حرَّفوها؛ فالتحريف هو تعمُّد صرف النَّص عن معناه الحق إلى معنى آخر لعدم الرضا بمضمونه، وهذا ظاهر في نصوص أئمتهم:
«إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان… فهو التزام للتجسيم… وإذا أزيل الظاهر قطعاً فلابد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول.» [الإرشاد – ص60]
«المصير إلى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل… وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحاً» [أساس التقديس – 1/67]
فأدركوا المعنى ثم حرَّفوه لمصادمته القواعد الأرسطيَّة؛ وبناءً عليه كفروا من جهتين:
1. الجحود بعد المعرفة:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾
2. التحريف المتعمَّد المنافي للإيمان:
﴿أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾




