بسم الله،
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أصل المسح على الملبوس في القدم وارد في السنّة، وأجمع عليه العلماء، إلا أنَّه وقع خلاف في عدد من المسائل، ومنها هل يُفَضَّل الغَسل أو المسح، وشرط مشروعيَّة المسح، ونوع الممسوح عليه، وصفة الممسوح عليه، ثم توقيت المسح، ثم حكم الطهارة بعد نزعه.
وهذا محلُّ الدراسة إن شاء الله تعالى.
مشروعية المسح
المسح مشروع في السنَّة في حديث المغيرة بن شعبة، قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: «دَعْهُما، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِما» وفي رواية «فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِع| أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقالَ: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا»★.
وقال جرير بن عبد الله البجلي: «رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه»★
v الخلاف
مشروعيَّة المسح محل إجماع عند أهل العلم، إلا أن هناك من ينقل الخلاف عن بعض الصحابة، لكن قال ابن عبد البر: «ولا أعلمُ في الصَّحابةِ مُخالفًا، إلّا شيءٌ لا يصحُّ عن عائشةَ، وابن عبّاس، وأبي هُريرةَ، وقد رُوي عنهم من وجُوهٍ خلافُهُ في المسح على الخُفَّينِ، وكذلكَ لا أعلمُ في التّابعينَ أحدًا يُنكرُ ذلك، ولا في فُقهاء المسلمينَ، إلّا روايةً جاءت عن مالكٍ، والرِّوايات الصِّحاح عنه بخلافهِ، وهي مُنكرة يدفعُها "موطؤه" وأُصولُ مذهبه.»★
قلت: لم يُنقل عدم المشروعيَّة عن مالك إلا في رواية ضعيفة عنه، نقلها الباجي في المنتقى ثم قال: «وهذا عندي يبعد» ثم قال: «وفي النوادر عن ابن وهب أنه قال آخر ما فارقته على المسح في السفر والحضر وكأنه وهو الذي روى عنه متأخر وأصحابه مطرف وابن الماجشون فدل ذلك على أنه منعه أولا على وجه الكراهية لما لم ير أهل المدينة يمسحون ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق»★.
وهو إجماع أهل السنَّة، كما قال سفيان الثوري في عقيدته: «شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك»★ وقال قتيبة بن سعيد: «هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة: الرضا بقضاء الله» إلى قوله «والمسح على الخفين»★ وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنه كل من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين وأحدث، وأن له أن يمسح عليهما»★
حتى صار القول بعدم مشروعية المسح من شعار الشيعة.
هل يُفَضَّل الغَسل أو المسح
شنع العلماء منهم سفيان الثوري وأحمد وإسحاق على من يغسل قدميه شاكا بجواز المسح ★
قال إسحاق بن راهويه: «فأما من يقول: أنا أغسل الرجلين، وأرى المسح على الخفين؛ فهذا لا يكون إلا من مرض في القلب، وكيف يرغب عن السنة إلى غيرها ثم يدعي اتباعها»★
وقال النخعي: «من رغب عن المسح فقد رغب عن السّنّة، ولا أعلم ذلك إلّا من الشيطان. قال فُضيل: يعني تركه المسح.»★
وقد أمر أبو أيوب الأنصاري أصحابه بالمسح، وغسل رجليه وقال: «رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعله، ويأمر به [أي المسح]، ولكن حبب إلي الوضوء»★
وتوجيه الإمام أحمد لهذا، قال: «فإن ذهب ذاهب إلى قول أبي أيوب الأنصاري: حُبّبَ إليَّ الغسل لم أعبْهُ. إلا أن يترك الرجل المسح ولا يراه كما صنع أهل البدع، فهذا لا يُصلَّى خلفه.»★
شرط المشروعيَّة
بعد اتِّفاقهم على المشروعية، اختلفوا في شرط المشروعيَّة، هل هي للمقيم والمسافر، أم للمسافر فقط، وهل يشترط لها حصول المشقَّة بالغَسل.
v المسافر والمقيم
«وقال مالك: لا يمسح المقيم على خفيه. قال: وقد كان قبل ذلك يقول: يمسح عليهما، قال: ويمسح المسافر وليس لذلك وقت»★
والجمهور على أن المسح للمسافر والمقيم. وقولهم هو الصواب لقول علي بن أبي طالب: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. ويوما وليلة للمقيم» ★
نوع وصفة الممسوح عليه
v هل يشترط أن يغطي موضع الغسل؟
القول الأول: يشترط أن يغطي موضع الغسل. قاله مالك ★ والشافعي ★ وأحمد ★
القول الثاني: لا يشترط أن يغطي الكعبين. وهو منقول عن الأوزاعي ومالك وكلاهما نُقِل عنه خلافه★، فهو قول شاذ لا يجوز العمل به.
والأصل أن المسح كان بدلا عن الغسل لعلَّة تغطية الرجل، فإن كان لا يغطي الكعبين ما كان ساترًا لموضع الغسل، فتزول العلة. ولا يقاس القصير على المخرَّق، إذ أنَّ الانخراق طارء على الأصل، فلا يقاس عليه أصل فاسد.
v حكم الخف المخرق؟
القول الأول: إن كان قليلا لا يظهر منه القدم فيمسح عليه وإن كان كثيرا يظهر منه القدم فلا يمسح عليه. قاله مالك ★ والشافعي ★ وأحمد ★
القول الثاني: يَمْسَح وإنْ كان فيه فَتْقٌ ظهر منه بعض القدم. قاله المزني وهو القول القديم للشافعي ★
ووافقهم أبو حنيفة، وله تفصيل: لو خرج إصبعان أو شيء يسير من القدم، فالمسح جائز، ولا يجوز لو خرج ثلاثة أصابع أو نصف القدم ★
v المسح على الجوربين
القول الأول: لا يجوز بحال. قاله مالك (وهو قوله الأخير) ★
القول الثاني: يجوز إن كان من جِلد. قاله الشافعي ★ وأبو حنيفة★
القول الثالث: يجوز إن كان أسفلهما جلد مخروز وظاهرهما جلد مخروز. قاله مالك ★
القول الرابع يجوز إذا كان الجوربان ثَخِينَين لا يَشِفّان. قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن ★ وأحمد ★ وإسحاق★
توقيت المسح
عن علي بن أبي طالب: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. ويوما وليلة للمقيم. قال وكان سفيان إذا ذكر عمرا أثنى عليه.» ★
وعن عوف بن مالك الأشجعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك: ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة»★
قال الإمام أحمد: «هَذَا الحَدِيث أَجود حَدِيث فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ لِأَنَّهُ فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِي آخر غزَاة غَزَاهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخر فعله»★
وهذا الذي قالت به المذاهب الثلاثة خلافا للمالكية، أن المسح على الخفين مؤقت بيوم وليلة في الحضر وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر. ذكر ابن المُنذِر من قال به: «عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد الأنصاري، وشريح، وعطاء، وبه قال سفيان». ★
أما المالكيَّة فذهبوا إلى أنَّه لا توقيت★، فيمسح حتى يخلعهما، أو يحتاج إلى الغُسل. ودليلهم ما ورد عن أبي بن عُمارة، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسح على الخفين؟ قال «نعم» قال: يوما؟ قال «ويومين» قال: وثلاثا؟ حتى بلغ سبعا. قال له: «وما بدا لك»★ ولا حجَّة فيه، فهو مُنكَر.
وعن عقبة بن عامر الجهني، أنه قدم على عمر بن الخطاب، من مصر فقال: «منذ كم لم تنزع خفيك؟» قال: من الجمعة إلى الجمعة، قال: «أصبت السنة»★ والأثر صحيح الإسناد ★ لكن جاء في رواية «قد أصبت» ولم يقل: «السنَّة» قال الدارقطني «وهو المحفوظ»★ وبينهما فرق كبير، فقوله السنَّة رفع إلى النَّبيِّ ﷺ. أما على الرواية الأصح فهي قول عمر نفسه. وليس فيه عدم التأقيت مطلقًا، فهذه ثمانية أيام، وقد قال إسحاق بن راهويه: «أهل المدينة يرون المسح ثمانية أيام»★ فهذا يصح حجة لهذا القول لا لمَن أطلَق.
وعمر، صح عنه التأقيت «للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم إلى الليل»★
ولم ينفرد المالكيَّة فقد جاء عدم التوقيت عن سعد بن أبي وقَّاص ★ وابن عمر ★ وعروة بن الزبير ★ والحسن البصري ★ الشعبي، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ★ ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة ★ والأوزاعي★ والليث★ وهو المذهب القديم للشافعي ★
وقد ورد عن بعضهم خلاف ذلك: فأمَّا سعد فجاء بإسناد حسن عن أبان بن عثمان قال: «سألت سعد بن أبي وقاص عن المسح على الخفين؟ فقال: نعم، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم»★ وأما ابن عمر، فإنه قال: «ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوم وليلة»★
رد المالكية على الجمهور:
أولا: ضعفوا أحاديث التوقيت، ونقلوا عن عبد الرحمن بن مهدي: «لا يصح عن النبي عليه السلام في التوقيت في المسح على الخفين حديث.»★
قلت: وهذا القول لا ينهض، فالأحاديث صحيحة، وحديث جرير في الصحيح، وقد احتج بها أئمة، أحمد والشافعي.
وقالوا: «ولم يرد عنه ﷺ منع من تجاوز ذلك»★ وهذا قول ضعيف، ولو قالوا: إن التحديد على الاستحباب لكان أولى.
v حساب التوقيت
اختلفوا في حساب التوقيت بأيِّ اعتِبار يبدأ، هل يبدأ بالوضوء، أم بلبس الخفين، أم بإحداثه بعد لبسهما، أم بأول مسحة على الخفين.
القول الأول: يبدأ الوقت من الحدث. قاله الشافعي ★ وأحمد (في رواية الكوسج)، وإسحاق ★ وأبو حنيفة ★
القول الثاني: يبدأ الوقت من المسحة الأولى. قاله أحمد (في رواية أبي داود)★
v حكم الطهارة إذا انتهت مدة المسح
هل الطهارة باقية بعد انتهاء مدة المسح؟ القول الأول: تبقى الطهارة، ولكنه يمنع من المسح بعد ذلك، وهو قول الشافعي★
القول الثاني: لا تبقى الطهارة الخاصة بالقدمين، ويحتاج أن يخلع خفيه ويغسل قدميه. وهو قول أبي حنيفة ★
v مقيم سافر أو مسافر أقام
o إذا سافر مقيم:
إذا سافر بعد انتهاء مدة المسح، فليس له أن يمسح. أما إذا سافر أثناء مدة المسح:
- في حال مسح قبل السفر، فيتم مسح مقيم، قاله الشافعي ★ وإسحاق★
- فله ثلاثة أيام عند أحمد ★ وأبي حنيفة ★
o وأما المسافر الذي عاد لدار إقامته:
يؤقت مسح مقيم، فإن كان قد استكمل في سفره يوماً وليلة فقد انتهى في حقه الوقت. قاله الشافعي ★ والشافعي [هكذا في الأصل ولعله أحمد] ★ وأبو حنيفة ★ وذلك أن رخصة السفر انتهت في حقه.
شروط المسح
v أولًا: أن يلبسه على طهارة.
عن عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما. ★
فعلل رسول الله ﷺ المسح عليهما بأنَّه لبسهما على طهارة، ومفهوم كلامه أنه لو لبسهما على غير طهارة فلا يجوز له المسح عليهما. وهذا محل إجماع لأهل العلم.
v لو لبس الخف اليمين قبل غسل الرجل الشمال في وضوئه
القول الأول: هذا يصِحُّ المسح عليه. قاله المُزني ★ وعامة هل الرأي ورواية عن الإمام أحمد:
القول الثاني: لابد من لبسها بعد تمام الوضوء. قاله أكثر أهل الحديث كالشافعي ★ وأحمد★ وهو قول أبي حنيفة ★
v ثانيا: هل يشترط أن تكون طهارة مائية؟
والمقصود بالمائيَّة: الغُسلُ والوضوء، فمن تيمَّمَ ثم لبسه، ثم وجد الماء، هل يلزمه خلعهما وغسل رجليه، أم يكفيه المسح؟ فقال الشَّافعيَّة: يكفيه المسح بشرط أن يكون سبب التيمم عدم القدرة على استعمال الماء. وقال الجمهور: يشترط أن تكون طهارة مائيَّة ★
خف فوق الخف
من توضأ فلبس خفيه ثم أحدث فمسح عليهما ثم لبس خفين آخرين فوق خفيه أو جرموقين ★ ، فهل له أن يمسح على الأعلى؟
القول الأول: يمسح على الأعلى منهما. قاله مالك ★
القول الثاني: ليس له المسح إلا على الخف الأصلي. قاله الشافعي ★ وأحمد ★ أبو حنيفة. ★
v إذا خلع الأعلى
يمسح على الأول، عند أبي حنيفة ★ وذلك أنه ملبوس على طهارة فقد حقق شروط المسح.
موضع المسح
القول الأول: يمسح على ظهور الخفين وبطونهما. قاله مالك ★ وابن عُمَر، والزهري ★ وقاله إسحاق بن راهويه استحبابا، ويكفيه عنده مسح ظهره ★ ودليلهم: عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «مسح أعلى الخف وأسفله»★ قال الإمام أحمد: «ليس هو بحديث ثبت عندنا»★ وعند أبي حنيفة لا يجزئ المسح من أسفل ولا من عند الساق، إلا إذا مسح مقدم الخف. وأقل ما يمسح مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد ★
القول الثاني: يمسح ظهور قدميه فقط. هو مذهب الحنفية والحنابلة، وهو قدر مجزئ عند المالكية والشافعيَّة. قال الإمام أحمد: «أعلا الخفين، إن شاء من الأصابع إلى الساق وإن شاء من الساق إلى الأصابع، ولا يمسح أسفل الخفين»★
كيفية المسح
«قال ابن القاسم: أرانا مالك المسح على الخفين فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفه فأمرهما وبلغ اليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبيه فأمرهما إلى موضع الوضوء وذلك أصل الساق حذو الكعبين. قال: وقال مالك: وسألت ابن شهاب فقال: هكذا المسح»★
قال أحمد: «يمسح على أعلاه خطًا بالأصابع»★ وقال: «فإذا أخذ الماء يأخذه بيده ثم ينفضه، أو يمس الماء ثم يمسح خطًّا بالأصابع»★
عدد المسحات
يمسح مرة واحدة وهو قول المالكية والشافعيَّة والحنابلة، وقاله أبو حنيفة ★ واشترط أبو حنيفة المسح «بثلاثة أصابع أو أكثر»★
الحكم المتعلق بنزعه
لا خلاف أنَّه لا يجوز له المسح بعد نزعه، ولكن:
v ماذا لو نزعه جزئيًّا؟
يبطل المسح عند مالك إذا كشف عقبه ★ وعند أبي حنيفة لو سحبه فكشف حتى يخرج الأكثر من عَقِبِه عن موضعه وعند أبي يوسف حتى يخرج الأكثر من قدمه. وفي قول محمد: حتى يخرج كله.★ والمسألة هنا استحسانيَّة، فمتى يسمى نازعًا إياه، ولو أعاده هل يكون لبسه على غير طهارة مائية.
v حكم بقاء الطهارة
القول الأول: إن غسل رجليه بعد خلع الجوربين دون تأخير بقيت الطهارة، وإلا لزمه الوضوء. وهو قول عند مالك ★ وقاله الشافعي والمُزني ★
القول الثاني: يلزمه الوضوء. وهو قول الشافعي القديم ★ والإمام أحمد وإسحاق ★
* * *
والله أعلم
ولله الحمد
* * *




