المسح على الوجه بعد الدعاء

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اعلم أنه وردت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسح الوجه بعد الدعاء، ولا يصح واحد منها بمفرده، واختلف العلماء في تصحيحها بمجموع طرقها، أو عدم ذلك، وليس دراسة الأحاديث هي موضوع البحث، بل البحث هنا بعمل السلف بهذا.

ذلك لأن كثيرا من المنتسبين للسلفية ينكر على من يمسح وجهه بعد الدعاء وقد يبدعه، والعجيب ترويجهم لقول الصوفي الأشعري الطاعن بالصحابة العز بن عبد السلام إذ قال: (لا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل) [فتاوى العز بن عبد السلام (ص 47)] ويُعرضون عن آثار السلف في الباب.

ابن عمر وابن الزبير

روى البخاري في الأدب «عن وهب أبي نعيم قال: رأيت ابن عمر وابن الزبير يدعوان، ‌يديران ‌بالراحتين على الوجه» [الأدب المفرد – ت عبد الباقي (ص214)]

قلت: ضعفه الألباني لأجل محمد بن فليج وأبيه، وهما ممن تقبل روايتهما التحسين

الحسن البصري

قال ابن المنذر: «‌‌ذكر مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء … وروي عن الحسن أنه كان يفعله» [الأوسط (5/ 217)]

وقال محمد بن نصر المروزي: «وعن المعتمر، ‌رأيت ‌أبا ‌كعب، ‌صاحب ‌الحرير (ت161هـ) يدعو رافعا يديه فإذا فرغ من دعائه يمسح بهما وجهه، فقلت له: من رأيت يفعل هذا، فقال: الحسن». مختصر قيام (ص327) قلت: المعتمر وأبو كعب ثقات.

ونقله السيوطي قال: «قَالَ الْفرْيَابِيّ حَدثنَا اسحق بن رَاهَوَيْه أخبرنَا الْمُعْتَمِر». فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين بالدعاء (ص101)

عبد الرزاق ومَعمَر والسلف

قال عبد الرزاق: «رأيت أنا مَعْمَرًا [هو ابن راشد ت154هـ] يدعو بيديه عند صدره، ثم يرد يديه فيمسح وجهه. وربما رأيت معمرا يفعله وأنا أفعله.

أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه

«قال عبد اللَّه بن أحمد ابن حنبل: سألت أبي عن رفع اليدين في القنوت، قال: لا بأس به. رواه ليث عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أن ابن مسعود، كان ‌يرفع ‌يديه ‌في ‌القنوت. قال: قلت لأبي يمسح بهما وجهه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. قال لنا أبو عبد الرحمن: لم أر أبي يمسح بهما وجهه» [مسائل عبد اللَّه (332)]

قال محمد بن نصر: «ورأيت إسحاق [هو ابن راهويه] يستحسن العمل بهذه الأحاديث» [مختصر قيام الليل (ص327)]

وقال الكوسج (ت251هـ): «يستحب مسح الوجه بعد الدعاء». مسائل الإمام أحمد وإسحاق (2/ 820)

السلف والمذاهب

قال عبد الرزاق: وذكروا أن من مضى [أي السلف] كانوا يدعون، ثم ‌يردون ‌أيديهم ‌على ‌وجوهم ليردوا الدعاء والبركة

وجاء في الموسوعة الفقهية: «ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إِلَى جَوَازِ مَسْحِ الْوَجْهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ». الموسوعة الفقهية الكويتية (42/ 366)

من أنكر ذلك

وقد أنكر ذلك بعض السلف، «سئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك، وقال: ما علمت، وسئل عبد الله عن الرجل، يبسط يديه فيدعو ثم يمسح بهما وجهه، فقال: كره ذلك سفيان». مختصر قيام الليل (ص327)

 

الخلاصة

المسألة فيها أحاديث مختلف في صحتها، فمن صححها وعمل بها لا يجوز الإنكار عليه، وهو مقتد بأئمة كبار من أئمة السلف، ومن لم ير صحتها وتركَ العمل بها فلا شيء عليه، ولا يجوز التشدد في هذه المسألة، وأخطر من التشدد: نشر مقالة ابن عبد السلام التي فيها اتهام لأئمة السلف بالجهل.

 

التسجيل في الجريدة الإلكترونية

عند التسجيل ستصلك مقالات الشيخ الجديدة, كل مقال جديد يكتبه الشيخ سيصلك على الإيميل

(Visited 2٬910 times, 1 visits today)
المسح على الوجه بعد الدعاء
تمرير للأعلى